مدونة اليوم

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

  1. 1d ago

    غادة عبد العال: الأم مدرسة!

    على أيامنا، أمي ما كانتش تعرف أنا بادرس إيه في المدرسة. مش إهمال منها، ولا تقصير. ببساطة، ما كانش مطلوب منها تعرف. كنت باروح المدرسة، أركز في الفصل، أرجع البيت أحل الواجب، وأروح تاني يوم المدرسة، وهكذا. كان فيه نظام مفهوم، كل واحد فيه عارف دوره، ومش محتاجين نعمل اجتماع عائلي طاريء كل ليلة عشان نعرف إيه الواجب المطلوب. ولما بدأت آخد دروس خصوصية في إعدادي، أمي برضه ما كانتش مطالبة بحاجة. مدرّسة المدرسة مسؤولة عن شرح المدرسة، ومدرّس الدرس مسؤول عن شرح الدرس، وأنا مسؤولة إني أسمع وأفهم وأذاكر. ما حدش كان مستني أمي تدخل آخر اليوم تلمّ ناتج العمليتين، وتعيد الشرح وتشرف على الواجبات. دلوقتي، لسبب مش واضح بالنسبة لي، بقيت أنا مسؤولة أراجع دروس وواجبات المدرسة، ودروس وواجبات الدرس لطفل لسه في تانية ابتدائي. يعني الطفل يروح المدرسة، وبعدها ياخد درس، وبعدها يرجع البيت عشان نبدأ إحنا الشغل الحقيقي. كأن كل اللي فات ده كان إعلان تشويقي، والفيلم لسه هيبدأ - بطولة ماما-  بعد الفاصل. بقيت مطالبة أشرف وأحل وأشرح وقبل ما أشرح، لازم أفهم. ودي تاني مفاجأة: أنا ليه مش فاهمة منهج تانية ابتدائي؟ أفتح الكتاب، أقرا السؤال، أعيد قراءته، وابني قاعد جنبي مستني الإجابة بثقة شخص لسه ما اكتشفش إن الكبيرة اللي بيعتمد عليها بتدور هي كمان على حد أكبر منها ياخد بإيدها. أحيانًا أبقى عارفة الحل، لكن مش فاهمة هما عايزين نوصل له إزاي. وليه الطريقة اللي وصلت بيها للإجابة مش مقبولة؟ وإزاي أشرح له الطريقة المطلوبة وأنا أصلًا محتاجة حد يشرح لي المطلوب؟ وطبعًا فيه إجابة جاهزة: المناهج اتطورت، وإنتوا اتعلمتوا بالحفظ، وولادكم بيتعلموا بالفهم. جميل جدًا. أنا مع الفهم. أحب ابني يعرف ليه الإجابة كده، ويقدر يوصل لها بأكتر من طريقة. وما عنديش اعتراض أتعلم حاجة جديدة. لكن هو المفروض الفهم ده يحصل فين؟ ومين مسؤول عن إنه يحصل؟ هل مافيش حد شايف مشكلة في إن منهج أولى وتانية وتالتة ابتدائي محتاج تلات مراحل، وتلات مرات شرح، وقبيلة بتحاول تفهّم العيل إيه اللي مكتوب في الكتب؟. إحنا بنتكلم عن طفل لسه بيتعلم يقرا السؤال أصلًا. طفل محتاج حد يفكره يغسل إيديه، لكن مطلوب منه يتنقل بين شرح المدرسة، وشرح المدرس الخصوصي، وشرح البيت، وبعدين نندهش إنه زهق أو فقد تركيزه. وأنا كمان عندي سؤال يخصني: ليه بقيت مسؤولة عن مراجعة واجبات جهتين، كل جهة فيهم عندها مدرس، ووقت مخصص، وفلوس بندفعها مقابل التعليم؟ لو واجب المدرسة محتاج شرح جديد، وواجب الدرس محتاج شرح جديد، إمتى بالضبط في وسط الرحلة دي الطفل هيتعلم؟ أنا متابعة ابني، ويهمني تعليمه، ومستعدة أساعده لما حاجة تقف قدامه. لكن المساعدة المفروض تبقى عند الحاجة. إزاي اتحولت لوظيفة يومية ثابتة، ولو ما عملتهاش يبقى أنا المقصرة؟ يمكن زمان ما كانش التعليم مثالي، لكن استقلالي في المذاكرة كان حاجة مفيدة. كنت عارفة إن ده واجبي أنا، وإن السؤال اللي مش فاهماه أسأله لمدرستي. دلوقتي الواجب بقى مشروع عائلي. وأصبح وجود مدرسة ومدرس ودرس مش كفاية لتعليم طفل في ابتدائي، وبقى لازم أمه تدخل هي كمان ضمن هيئة التدريس؟ أو تبقى الأم مدرسة لكن بشكل حرفي، مع الاعتذار لحافظ إبراهيم.

  2. 1d ago

    سناء العاجي الحنفي: من "ناقصات عقل ودين" إلى رئاسة الحكومة

    أين ستصلي فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة الجديدة؟ هذا، بكل جدية، كان من بين الأسئلة التي شغلت البعض، حتى قبل تعيينها رئيسة للحكومة المغربية. أين ستقف أثناء الصلاة إلى جانب الملك؟ ثم جاء السؤال الثاني، أو بالأحرى الحديث الجاهز: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".  ثم، طبعاً، لدينا "الرجال قوامون على النساء".  وإذا لم تكن كل هذه الترسانةُ كافيةً، يبقى السلاح السحري الذي يُشهر كلما حاولت امرأة أن تخرج من المساحة المرسومة لها: "النساء ناقصات عقل ودين".  وهكذا، بدل أن نسأل رئيسة الحكومة عن برنامجها، وعن التعليم والصحة والشغل والأسعار والحريات، نجد أنفسنا نناقش: أين ستصلي؟ وهل يجوز أصلاً أن تحكم امرأة؟ المشكلة هنا ليست في التدين. وليست في الإسلام. المشكلة في عقل ديني سلفي ميزوجيني لا يزال يجد صعوبة عميقة في تصور امرأة تملك السلطة. امرأة يمكن أن تكون أماً، وزوجة، وأختاً، ومربية، وممرضة، وأستاذة. يمكنها أن تعمل، وأن تتحمل أعباء بيت كامل. لكن يكفي أن تجلسَ على كرسي القرار، كي تبدأَ الأسئلة الفقهية. كأن الذكورة شرط من شروط الكفاءة السياسية. والأغرب أن تاريخنا وحاضرنا مليئان برجال حكموا، وقرروا، وفشلوا، وارتكبوا أخطاء كارثية، ولم يسأل أحد يوماً إن كان فشلهم ناتجاً عن جنسهم. لم يقل أحد: "لعل الرجال جميعَهم غير صالحين للحكم".  لكن امرأة واحدة تصل إلى رئاسة الحكومة، فتصبح النساء كلُّهن موضوعَ اختبار. يمكن أن نختلف جذرياً مع فاطمة الزهراء المنصوري. يمكن أن ننتقد حزبها، وبرنامجها، وحصيلتها، واختياراتها وتحالفاتها. بل هذا هو المطلوب. لكن أن يكون الاعتراض عليها لأنها امرأة، فهذه ليست معارضة سياسية. هذه مشكلة مع وجود المرأة في المجال العام. ربما لهذا يبدو السؤال الحقيقي اليوم ليس: أين ستصلي فاطمة الزهراء المنصوري؟ السؤال هو: متى سنتوقف عن مطالبة المرأة، كلما وصلت إلى موقع مسؤولية، بأن تثبت أولاً أن جنسها لا يمنعها من التفكير والقرار والقيادة؟

  3. 5d ago

    هند الإرياني: زمن حكم النساء

    تتوالى الأخبار في السنوات الأخيرة عن تعيين نساء في مناصب حكومية في عدّة دول عربيّة، والكثير من هذه المناصب كان مقتصرًا على الرجال. وأنا أراقب ردود فعل الرجال، لفتني نمط متكرّر لدى جنسيّات عربيّة مختلفة، ليس فقط من قبل من يعيشون في الوطن العربيّ، بل حتّى من الرجال العرب المقيمين في الدول التي تقودها النساء. «هذا الفشل سببه حكم النساء». قرأت هذا التعليق وأنا فاغرة فمي متعجّبة. هذا تعليق كتبه أحدهم في صفحة أخبار سويديّة ناطقة بالعربيّة. هذا الرجل يصف السويد بأنّها فاشلة لأنّ فيها قيادات نسائيّة كثيرة في أحزابها. لا أدري أيّ فشل يتحدّث عنه، فالسويد من أنجح الدول في العالم. دعونا من دول الغرب ولنذهب إلى الدول العربيّة. عندما نرى ردود فعل الرجال على أيّ خبر جديد بتعيين امرأة، غالبًا ما يكون التركيز على شكلها؛ إن كانت جميلة فهي لا تستحقّ المنصب، وجمالها هو ما ساعدها، وإن كانت عادية فهي مسترجلة ومتشبّهة بالرجال. هذا عدا الكلمات البذيئة التي تقال عن هذه القياديّة. مثلًا، في اليمن، بمجرّد إعلان خبر تعيين امرأة، يتمّ اتّهامها في أخلاقها والتلميح إلى أنّها قدّمت تنازلات لكي تصل إلى المنصب. والمصيبة أنّ هناك شخصيّات يسمّونها «مؤثّرة» تظهر في صفحات السوشيال ميديا وتقول هذا الكلام بكلّ أريحيّة، ولا تتمّ معاقبتها. وهذا طبيعيّ بحكم أنّ اليمن أساسًا دولة تعيش في نزاع، وتحكمها الميليشيات، وحكومتها مغتربة في الخارج، فيصبح الحديث عن محاسبة في مواقف كهذه مثل سراب الماء في الصحراء. ولكن ما يغضبني هو أنّ الرجال -من الذين نعتبرهم محترمين- يشاهدون هذا التدنّي بصمت. والشخص الوحيد الذي وجدته يعترض، تمّ اتّهامه بأنّه أيضًا زير نساء، ولذلك يدعم وجودهنّ في المناصب. وهكذا ينتصر الشرّ بتنمّره وحقارته. ولكن رغم ذلك، سيستمرّ تعيين النساء رغمًا عن أنف المعترضين. ولو تعرفون مدى سعادتي عند سماع خبر تعيين امرأة، سواء كان ذلك في دولة عربيّة مستقرّة أو حتّى في اليمن التي تعاني من الحروب. أخبار كهذه تساعد الجيل الجديد على أن يتعوّد على وجود النساء في المناصب القياديّة، وتفتح الأبواب للنساء في المستقبل؛ المستقبل الذي نأمل أن يكون أفضل من أيّامنا السيّئة هذه، في زمن حكم الرجال

  4. 5d ago

    جمانة حداد: ذلك الزرّ

    «من واجبنا ألّا ننسى». «الذاكرة نعمة». «يا حرام، ما بقا عم يتذكّر شي»… عبارات يكرّرها كثر في غير مناسبة، لكنني لطالما شعرت أنها تعميمية. أفهم ضرورة الذاكرة حين تتعلّق بتاريخنا، بالجرائم والمجازر والظلم. هناك نسيان يصبح تواطؤاً، لأن محو الجريمة يمنح المجرم انتصاراً أخيراً. أفهمها أيضاً في ما يتعلّق بذكرياتنا الحلوة ولحظات السعادة. لكن ماذا عن «ذاكرتنا السوداء»؟ أعني تلك الغرفة السرية، الملأى بالألم والحزن والخزي، التي نحملها داخل رؤوسنا، ولا يملك أحد مفتاحها سوانا؟ نتحدث كثيراً عن ضرورة مواجهة الماضي، معالجة الجروح الشخصية، فهمها، التصالح معها. وهذا كله جميل وناضج وصحيح. لكن ماذا بعد أن نفهم؟ ماذا بعد أن نواجه ونسامح أو لا نسامح؟ هل علينا أن نتذكر ما حدث إلى الأبد؟ هناك أشياء لا تعود تعلّمنا شيئاً. هي فقط تنكأ الجرح. ذاكرتنا، أصلاً، ماكرة. تنسى اسم شخص نحتاج إليه، ثم تحتفظ بدقة مذهلة بجملة مؤذية قيلت لنا قبل ثلاثين عاماً. تمحو تفاصيل رواية رائعة، لكنها تتشبث بتفصيل تافه من يوم تمنينا لو لم نعشه. كأنها موظف أرشيف ساديّ يقرر وحده ما يستحق البقاء. هذا لا يعني اني أريد أن أنسى جميع الأشخاص الذين جرحوني، او الذين فقدتهم، او الأخطاء التي قد يمنعني تذكّرها من تكرارها. أريد فقط حقاً صغيراً في تحرير رأسي من بعض المشاهد التي لم تعد تستحق كل هذه المساحة. لأجل ذلك أفكر أحياناً: ماذا لو كان النسيان تطبيقاً متاحاً لنا، نستخدمه متى نشاء وعلى ما نشاء؟ لا مرضاً. لا ضعفاً. لا نعمةً. بل تطبيقاً. أن أستطيع أن أختار ذكرى محددة وأقول لها: انتهت مدة إقامتك هنا. ألم نبالغ أصلاً في تقديس الذاكرة؟ فالإنسان ليس فقط ما يتذكّره. هو أيضاً ما استطاع أن يتركه وراءه وينساه. غريب أننا نملك على هواتفنا وأجهزة الكمبيوتر سلطة أكبر مما نملك على رؤوسنا. نستطيع أن نقرر ما نحتفظ به، وما نحذفه، وما لم يعد يستحق أن يشغل مساحة من الذاكرة. نضغط delete، ونرتاح. ليتنا، فقط، نملك الزر نفسه داخلنا.

  5. 6d ago

    عروب صبح: صناعة الوحوش البشرية

    يواجه الأطفال والمراهقون خطراً ذهنياً غير مسبوق عبر شبكات الويب العميق ومجموعات "الدارك ويب" المغلقة. هذه المنصات لم تعد مجرد مساحات للتصفح، بل تحولت إلى غرف بث مباشر متخصصة في الاستغلال السادي وتعذيب الكائنات الحية. يتم استدراج الشباب عبر الألعاب الإلكترونية وتطبيقات التواصل ليصبحوا جزءاً من شبكات سادية تتغذى على المشاهد الدموية.  هذا التعرض المستمر يعيد برمجة أدمغة اليافعين، حيث تعمل المشاهد على تدمير خلايا التعاطف الإنساني لديهم، وتحولهم تدريجياً من مشاهدين مصدومين إلى "وحوش" فاعلين يبحثون عن جرعات أعلى من الأدرينالين والتلذذ بالأذى في الواقع لتلبية الرغبة التي زرعها الفضاء الرقمي. عندما وضع علم النفس مصطلح السادية في أواخر القرن التاسع عشر لتوصيف اللذة الناتجة عن تعذيب الآخرين، لم يكن العلماء يتخيلون أن يأتي زمن يتحول فيه هذا الاضطراب إلى "تجارة رقمية منسقة"! الجريمة المروعة  منذ أيام وفي عمان ارتكب شاب سادي جريمة نكراء بإطلاق كلابه الشرسة لنهش وتمزيق قطة مرضع في الشارع العام، ولم يكتفِ بالجريمة بل وقف بدم بارد يمسك هاتفه لتوثيق الحادثة وتصوير لقطات العذاب التي كانت تعانيها القطة الأم! الشاب الذي يبدو انساناً عادياً في صوره المنشورة لم يقم فقط بتعذيب القطة، بل قام مسبقاً بـ "تشريس الكلبين وتدمير فطرتهما" عبر وسائل عنيفة ليحولهما إلى أدوات قتل! إن تصرف هذا الشاب يمثل التطبيق الحرفي لـ "السادية اليومية الرقمية". توثيق الجريمة بالفيديو ليس عبثياً؛ بل هو سلوك مرتبط مباشرة بـثقافة الويب العميق ومجموعات "الفيديوهات الدموية"، حيث يتم إنتاج هذه المشاهد البشعة إما للحصول على "المشاهدات واللايكات" في مجتمعات إلكترونية مريضة، أو لبيعها كـ "محتوى حصري" على مواقع الدارك ويب مقابل مبالغ مالية أو عملات رقمية.  ووفقاً لعلماء الجريمة، فإن القسوة ضد الحيوانات هي المؤشر الأولي والخطير الذي يسبق تحول الشخص إلى مجرم يمارس ساديته ضد بني البشر والاطفال لاحقاً إن لم يتم ردعه. الأديان لم تحرم الظلم الواقع على البشر فحسب، بل جعلت تعذيب الحيوان موجباً للعذاب الإلهي ودخول النار (كما في نص الحديث الشريف عن المرأة التي حبست قطة).   "لعبة جهنم" فضاءٌ درامي يعبر تماماً عما يحدث في غرف الويب العميق  المظلمة. يتناول المسلسل فكرة كيف يمكن لـ "لعبة رقمية" أو منصة إلكترونية خفية أن تتلاعب بعقول الشباب وتجرهم من خلف الشاشات ليتحولوا إلى أدوات قتل وتعذيب في الواقع الملموس! الجنون ان مشهد تعذيب القطة موجود في هذا المسلسل !!! مجتمعاتنا في خطر  أولادنا في خطر  نحن في خطر

  6. Sep 29

    غادة عبد العال: جرائم الترفيه!

    أنا من الناس اللي بتخاف جدًا من كلمة «المنع» لما تيجي جنب الفن. مش عايزة حد يقف على باب غرفة الكتابة ويسأل الكاتب: هتكتب عن إيه، وهتورّي منه قد إيه، وهل الجمهور مستعد؟ و طول عمري باسخر بشكل مباشر من فكرة إن عرض أفعال الشر على الشاشة ممكن يشجع المتفرجين على ارتكابها. فالجريمة مادة فنية قديمة، من الروايات البوليسية للمسرح والسينما والمسلسلات. ومن حق أي صانع عمل إنه يدخل المناطق المظلمة في النفس البشرية، ويخلينا نشوف حاجات كنا بنفضّل نتجنبها. لكن في الوقت نفسه من حقي كمشاهدة، وكاتبة كمان، إني أسأل: ليه بقينا نروح للمناطق المظلمة دي بالزخم ده كله؟ تقريبًا كل صباح، قبل ما نعرف الجو حر ولا برد، بقينا بنعرف مين قتل مين. نفتح التليفون عشان نبص على رسالة من المدرسة، تقابلنا جريمة. نفتح صفحة فيسبوك عشان نشوف عيد ميلاد مين النهاردة، تقابلنا جريمة. ننزل نشتري حاجة من السوبر ماركت، نلاقي نفسنا طرف في جريمة. وعلى ما ييجي آخر اليوم، نكون على الأقل شوفنا ٤ جرايم، وعرفنا الضحية، وعلاقتها بالجاني، واتقسمنا فريقين فريق بيلوم الجاني والتاني بيلوم الضحية، وعرفنا طريقة القتل، وشوفنا فيديوهات كاميرات المراقبة، وحضرنا جنازة الضحية، وعيطنا مع ذويها، وسمعنا من عيلة وجيران الجاني وبدأنا نناقش العقوبة اللي من رأينا لازم القانون ينزلها بيه. الأخبار دي بقت بتطغى على أي خبر تاني. ولو حاولنا نخرج منها إلى مسلسل أو فيلم، كمنفذ عاطفي ونفسي وشعوري، تخيل إيه اللي بقى بيحصل؟ بقينا بنلاقي جريمة تانية مستنيانا هناك. قتل أبشع، وتفاصيل أدق، ومشهد مصمم عشان يفضل معانا بقية أسبوعنا بعد ما تنزل كلمة النهاية. طبعًا الفن مش مسؤول عن الجرائم اللي بتحصل في الشارع. النقطة دي محسومة على الأقل بالنسبة لي. لكن فيه سؤال تاني محتاجين نسأله: إيه أثر إننا نقضي معظم يومنا محاطين بصور وأشكال كتيرة من العنف، حقيقية ومتخيلة؟ هل بنفضل قادرين نحس بفداحة اللي حصل، ولا مع الوقت بنتعود وبنتأقلم ومجرد حدوث جريمة مابيبقاش كافي عشان يأثر فينا، بنحتاج جرايم أشد وأفظع عشان نتفاعل أو نندهش؟  وهل بعد كل الجرايم اللي بنقابلها في كل مصادر الأخبار حوالينا،المتفرج اللي بيلجأ للفن بعد يوم مرهق آملا في جرعة من الترفيه، يا ترى هيحس بإيه لما يقابل وصف تفصيلي لنفس الخوف ونفس الألم ونفس الفزع، لكن بإضاءة أحسن وموسيقى تصويرية تخلي وقع الجريمة أعمق تأثيرا؟ حرية الإبداع مهمة، وبتهمني شخصيًا ككاتبة. لكن من داخل الحرية دي، من حقنا نسأل: بنختار الحكاية دي تحديدا ليه؟ وبنحكيها إزاي؟ وهل كل تفصيلة عنيفة فعلًا بتخدم العمل، ولا بس بتضمن إن الجمهور مش هيحوّل القناة؟ يمكن مشكلتي مع تكدّس الجريمة على الشاشات إنه سحب مننا مكان كنا بنهرب له من بشاعة الأخبار. بقينا نصحى على جريمة، ونقضي اليوم نتابعها، وبالليل نختار جريمة تانية عشان نرفه عن نفسنا بالفرجة عليها. و بعدين نستغرب إننا عايشين بأدرينالين دائم الارتفاع، وأعصاب على بعد شعرة من الاحتراق، وإحساس بإننا محاصرين بالخطر في كل مكان.

  7. Sep 28

    سناء العاجي الحنفي: أنا أتغير... إذن أنا إنسان

    صديقة عزيزة كانت سعيدة جدا بعزوبيتها. ثم قابلت شخصا ارتاحت معه، فقررا الارتباط ثم الزواج. منذ ذلك الحين، تتعرض لانتقادات كثيرة لأنها غيرت رأيها... وكأنها كانت مخطئة، واكتشفت أن المجتمع كان على صواب.  والحقيقة أنها عاشت تحولات في حياتها الشخصية، واكبتها قرارات جديدة.  لماذا لدينا هذه العلاقة الغريبة مع الآراء القديمة؟ نحتفظ بها للناس كما نحتفظ بالصور في الأرشيف، ثم نُخرجها كدليل: "لكنك قلتِ قبل عشر سنوات كذا!"، "لكنك كنتَ تدافع عن كذا! كيف غيّرت رأيك؟".  وكأن الإنسان مُطَالب بأن يبقى نسخة مطابقة لنفسه إلى الأبد. أليس من الطبيعي أن نتغير، ولو قليلا؟ نقرأ، نسافر، نلتقي بأشخاص مختلفين، نعيش تجارب لم نكن نعرفها، نحب، نفشل، نفقد، نتعلم… ثم يُطلَب منا، بعد كل هذا، أن نحمل الأفكار نفسها التي كانت لدينا ونحن في العشرين أو الثلاثين. ما قيمة التجربة والعلاقات الإنسانية إذا لم تغيّر فينا شيئا؟ من المهم طبعا أن نحافظ على مبادئنا الأساسية. لكن المشكلة أننا كثيرا ما نخلط بين الثبات على المبادئ... وبين العناد. نعتبر تغيير الرأي ضعفًا، بينما قد يحتاج القبول بالتغيير إلى شجاعة أكبر بكثير من الاستمرار فيه. من الممكن للكثيرين أن يصدقوا فكرة ثم يتوقفون عن الإيمان بها.  أن يقابلوا شخصا يعطيهم الرغبة في عيش تجربة مختلفة. أن يقوموا بسفر يغير وجهة نظرهم للأمور. وفي زمن مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحنا أسرى أكثر لماضينا. منشور كتبناه منذ خمسة عشر عامًا قد يُستخرج اليوم ليُقال لنا: "ها أنت تناقض نفسك!". قد يكون ما تراه تناقضا... علامة على أننا نفس طبيعية، تتطور، تتغير.... أعلم أني، في الخمسين، سأكون مختلفة عمن كنتها في سن العشرين. مبادئي وقيمي ثابتة، لكن علاقتي بالكثير من التفاصيل تغيرت.  لدينا الحق في أن نتعلم. الحق في أن نراجع أفكارنا. الحق في أن نقول: لم أعد أرى الأمور بالطريقة نفسها. لأن الإنسان الذي لا يتغير أبدًا، ربما لم يتغير... لأنه لم يسمح لنفسه بأن يتعلم.

About

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

More From مونت كارلو الدولية / MCD

You Might Also Like