مدونة اليوم

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

  1. 15h ago

    جمانة حداد: نحن في علاقتنا بالمستقبل.. كائنات متفائلة حتى عندما نزعم العكس

    نضع الخطط. ندرس. نعمل. نتعب. نغيّر وظائفنا وبيوتنا وبلداننا وأجسادنا. نبدأ من الصفر، أو من تحت الصفر أحياناً. نحبّ شخصاً ونقرّر أن نبني معه حياة. نترك شخصاً ونقرّر أن نبني حياة من دونه. نتمرّن، نتعلّم لغة جديدة، نكتب كتاباً، نؤسّس مشروعاً، نربي طفلاً، ونقنع أنفسنا، إلى حدّ بعيد، بأن الغد مادة قابلة للتشكيل.  طبعاً، لا نملك المستقبل. يستطيع المرض أن يدخل من دون استئذان، والحرب أن تقلب الطاولة، والموت أن يسخر من كل خططنا. لكننا، في الحد الأدنى، نستطيع أن نتفاوض مع الآتي. أن نقاوم احتمالاته. أن ندفعه قليلاً في الاتجاه الذي نريده. هناك مساحة، مهما ضاقت، بين ما سيحدث لنا وما نستطيع أن نفعله بما سيحدث.  أما الماضي، فديكتاتور. لا يتفاوض. حدث ما حدث، وانتهى الأمر. وهذه واحدة من أكثر الوقائع التي يصعب عليّ تقبّلها: لماذا أُعطينا بعض السلطة على ما لم يحدث بعد، ولم نُعطَ أي سلطة على ما حدث؟  لطالما تمنيت لو كان في وسعنا التأثير في الماضي أيضاً. لا محوه كله، بالطبع. ولا إعادة كتابة حياتنا بحيث تصبح نسخة نظيفة، معقّمة، خالية من الخسارات والأخطاء. ستكون حياة كهذه مملّة إلى حدّ الموت، وربما غير إنسانية أيضاً. لكن ماذا لو كان مسموحاً لنا بتعديل حدث واحد؟ جملة واحدة لم نقلها. باب واحد لم نفتحه. شخص واحد لم نلتقِه. سيارة لم نركبها. مكالمة أجريناها أو لم نجرها. خمس دقائق فقط نستطيع انتزاعها من الزمن وإعادتها إلى ورشة التصليح.  أعرف جيداً ما تقوله الحكمة في هذا الشأن. أعرف العبارة المحفوظة: تجاربنا صنعتنا. السيئة منها بقدر الجيدة. جراحنا علّمتنا. خساراتنا جعلتنا أكثر عمقاً. أخطاؤنا أوصلتنا إلى هنا.  حسناً... ولكن ماذا لو لم نكن نريد أن نصل إلى "هنا" بهذه الطريقة؟ لماذا علينا دائماً أن نحوّل الألم إلى درس كي نعطيه شرعية؟ لماذا لا يحق لبعض الأشياء أن تكون ببساطة أشياء سيئة كان من الأفضل ألا تحدث؟  ثمة عنف خفي في تمجيد الجراح. ليست كل ندبة وساماً. وليست كل خسارة ضرورة تربوية. بعض ما كسرنا لم يجعلنا أقوى. جعلنا فقط أكثر ريبة. بعض ما عشناه لم يمنحنا الحكمة. منحنا الأرق. وبعض الذين فقدناهم لم يكن موتهم فصلاً ضرورياً في رواية نضجنا. كان موتهم موتاً، وكان غيابهم ظلماً، وانتهى.  ربما لهذا أتمنى أحياناً لو كان للماضي باب خلفي. شق صغير في جدار الزمن ندخل منه خلسة، لا لنصبح أشخاصاً آخرين، بل لننقذ شيئاً واحداً من أنفسنا.  أعرف أن هذا مستحيل. لكن الأمنيات لم تُخترع من أجل الممكن فقط. فيا ليتنا، مرة واحدة فقط، نستطيع أن نعود إلى الماضي خفيفين. ونغيّر ما لا يزال، حتى اليوم، يغيّرنا.

  2. 1d ago

    سناء العاجي الحنفي: رونالدو وجورجينا - حياتهم وتعليقاتنا

    كلما نُشرت صورة للنجم كريستيانو رونالدو وجورجينا، تظهر تعليقات حراس الأخلاق: كيف عاش معها كل هذه السنوات دون زواج؟ كيف أنجبا أطفالا؟ كيف قبلت هي بذلك؟  قبل الزواج، كان هناك أيضا من يقول إنه يتسلى بها وإنه لن يتزوجها حتى لا تستفيد من ثرواته. وكأن علاقتها يفترض أن تمر عبر موافقة المجتمعات العربية والإسلامية. ما لم تقبلها جموع المعلقين من الرباط والقاهرة وعمان، فلن تكون مقبولة. المشكلة هنا ليست في أن تكون لنا قيمنا الخاصة التي تؤطر علاقاتنا. من حق أي شخص أن يؤمن بأن الزواج يجب أن يسبق العيش المشترك، وأن الإنجاب ينبغي أن يكون داخل مؤسسة الزواج. المشكلة تبدأ حين نتصور أن هذه القيمَ كونيةٌ، وأن العالم كله مطالب بأن يعيش وفق النموذج الذي تربينا عليه. رونالدو برتغالي، وجورجينا أرجنتينية إسبانية. الاثنان ينتميان إلى سياق اجتماعي وثقافي وديني وقانوني مختلف. ما نعتبره نحن علاقة غير شرعية، قد لا يحمل، في مجتمعات أخرى، المعنى الأخلاقي أو القانوني نفسه. الملايين عير العالم يعيشون علاقات عاطفية ويُكَوِّنون أسرا، دون أن يربطهم عقد زواج. كما أن قوانين دولهم تحمي حقوق الأطفال المولودين خارج الزواج وتوفر حماية للمرأة الشريكة في العلاقة أيضا.  لكن، نحن، لماذا نريد أن نحاكم حياة شخصين راشدين، اختارا شكل علاقتهما بحرية؟  بل لماذا نريد أن نحاكم حياتهما وفق مرجعية لا ينتميان إليها أصلا؟ الأغرب أن بعض التعليقات لا تكتفي بالحكم على العلاقة، بل تتحول إلى محاكمة لجورجينا تحديدا: كيف قبلت؟، لماذا لم تشترط الزواج؟، كيف تضمن حقوقها؟ وكالعادة، حتى حين يتعلق الأمر بخيار مشترك بين رجل وامرأة، تصبح المرأة هي المتهمة الأولى. يمكن أن نختلف مع نمط حياتهما. يمكن ألا نختاره لأنفسنا. لكن الاختلاف شيء، وأن ننصب أنفسنا أوصياء على حياة الآخرين... شيء آخر. القيم تصبح أكثر إنسانية حين تساعدنا على اختيار حياتنا، لا حين نحولها إلى عصا نقيس بها حياة ملايير البشر. باختصار وببساطة، لا أحد مطالب بأن يعيش وفق مقاييسنا الخاصة.

  3. 1d ago

    عروب صبح : النساء في وجه القطار...

    نبيلة الحشوش ومريم جعجع...  في الأغوار الجنوبية، حيث تتشابك الأرض مع ذاكرة العائلات ومصدر رزق المزارعين وطعام الأردنيين، ظهر مشروع سكة حديد لنقل البوتاس من غور الصافي إلى العقبة بوصفه مشروعًا اقتصاديًا واستثماريًا كبيرًا. لكن المشروع حمل معه قضية أخرى: قرار استملاك نحو 3,499 دونمًا في غور الصافي وغور فيفا، تعود قرابة 60% منها إلى 76 عائلة، بحسب ورقة موقف أصدرتها مؤسسات المجتمع المدني. هنا هبّت امرأتان استثنائيتان لتقفا بقوة وحزم أمام مؤسسة القرار الظالم .. نبيلة الحشوش: صاحبة الأرض ابنة المكان، مزارعة عاملة، وناشطة اجتماعية وعمالية، عرفت حياة الأغوار من داخلها. عُرفت منذ سنوات بنشاطها في غور الصافي ودفاعها عن حقوق العاملات والعمال، حتى أصبحت صوتًا معروفًا في المنطقة. ولذلك فإن اعتراضها على مشروع السكة لا يبدو بالنسبة إليها معركة نظرية حول مخطط هندسي؛ إنها معركة على علاقة الإنسان بالأرض التي عاش عليها وعمل فيها آباؤه وأجداده. ظهرت الحشوش في حديثها عن المشروع وهي تضع الحق في أبسط وأقوى صورة:  "هذه أراضينا وأراضي أجدادنا" نبيلة لم تتحدث عن الأرض بوصفها عقارًا، بل بوصفها ذاكرة ومصدر رزق وهوية. مريم جعجع: هاجس السيادة الغذائية على يمين نبيلة تقف مريم جعجع، المديرة العامة للجمعية العربية لحماية الطبيعة، التي تبنت القضية من بوابة: البيئة، والزراعة، والسيادة الغذائية، وحقوق المجتمعات المحلية. في لقاء مع اللجنة النيابية للبيئة، عرضت جعجع التحديات البيئية المتوقعة من مشروع سكة نقل البوتاس، وأكدت ضرورة مراعاة احتياجات المجتمعات المحلية في الأغوار الجنوبية. وكان موقفها أكثر وضوحًا في حديثها عن أراضي المزارعين باعتبارها جزءًا من الثروة الوطنية والسيادة الغذائية. فالسؤال، في جوهره، ليس: هل نريد قطارًا أم لا؟ وإنما: هل يمكن أن نسمي المشروع تنمية إذا كان ثمنه إضعاف المجتمع الزراعي الذي ينتج الغذاء؟ المشكلة التي تطرحها الحشوش وجعجع، ومعهما المزارعون ومنظمات المجتمع المدني، هي كيف يُنفذ المشروع؟ وأين يمر؟ ومن يدفع ثمنه؟ وهل دُرست البدائل؟ وهل حصل أصحاب الأرض على المعلومات الكافية؟ وهل حُميت مصادر رزقهم؟ تكتسب هذه الأسئلة وزنًا أكبر لأن ورقة موقف مؤسسات المجتمع المدني أشارت إلى اختلافات بين المساحات الواردة في قرار الاستملاك وما ورد في دراسة الأثر البيئي، وإلى غياب مشاركة المجتمع المحلي في مراحل المشروع.  بل إن القضية تطورت لاحقًا إلى جدل حول مسار السكة نفسه؛ إذ ذكرت ورقة موقف حديثة أن مسار السكة نُقل إلى موقع جديد مع بقاء قرار استملاك الـ3,499 دونمًا! الأولى تقول: هذه أرضنا. والثانية تقول: هذه ثروة وطنية. وبين الجملتين تتشكل قضية أكبر من مشروع سكة: ما معنى النفع العام؟ هل يكون نفعًا عامًا إذا أفاد شركة وأضر بالمزارع والمواطن؟ هل يصبح المشروع وطنيًا لمجرد أنه يحمل اسم التنمية؟ ومتى سيفهم المسؤول أن حماية الغذاء والأرض والمجتمع المحلي جزء أساسي من حسابات التنمية، لا عقبة أمامها؟ وهنا يصبح موقف نبيلة الحشوش ومريم جعجع مهمًا ليس فقط لأنهما تعارضان مشروعًا بعينه، وإنما لأنهما تذكراننا بأن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الكيلومترات التي يقطعها القطار، بل بعدد الناس الذين يستطيعون مواصلة حياتهم بكرامة بعد مروره.

  4. 2d ago

    غادة عبد العال: جريمة اليوم

    صباح كل يوم، بنفتح عينينا، نمد إيدينا ناحية الموبايل، ونعمل ريفريش لصفحتنا على السوشيال ميديا. مش علشان نعرف درجة الحرارة كام، ولا نشوف فيلم الأسبوع، ولا حتى نطمن أصحابنا عملوا إيه امبارح. إحنا بنعمل ريفريش علشان نعرف: جريمة النهاردة إيه؟ مين قتل مين؟ مين خطف مين؟ مين ضرب مين؟ وهل الجريمة اتصورت بكاميرا مراقبة، ولا حد صادف إنه كان واقف في البلكونة وصورها بالموبايل؟ وهل الفيديو كامل، ولا الجزء اللي نزل منه كفاية علشان نصدر حكمنا، قبل ما نكون حتى عرفنا أسماء أطراف الواقعة إيه؟ زمان، وإحنا صغيرين، كانت كل جريدة فيها صفحة مخصوصة للحوادث، الواحد ممكن يقراها لو عنده فضول، أو يقفل الجريدة قبل ما يوصل لها ويكمل حياته عادي. وبعدها ظهرت جرايد كاملة متخصصة في الجرايم، يشتريها اللي مهتم بالنوعية دي من الأخبار، ويسيبها اللي مش عايز يبدأ يومه بتفاصيل جثة اتلقت في شوال. دلوقتي بقى، السوشيال ميديا، اللي المفروض إنها مساحة أثيرية معمولة علشان نتواصل كبني آدمين، ونشارك صور أولادنا، وأكلنا، وسفرنا، تحولت لصفحة حوادث مفتوحة أربع وعشرين ساعة.  وكلنا بقينا مراسلين حوادث، وكلنا بقينا شهود عيان، وخبراء أدلة جنائية، وأطباء نفسيين، ووكلاء نيابة، وقضاة. وأحيانًا جلادين. لكن الحقيقة إن أكتر حاجة مرعبة في أخبار الجرايم مبقتش الجريمة نفسها. المرعب فعلًا هو التعليقات اللي تحتها. الناس اللي بتكتب بأسمائها وصورها وشخصياتها الاعتبارية بكل ثقة إن الضحية تستاهل. تستاهل تتضرب، تستاهل تتخطف، تستاهل تتعذب، وأحيانًا تستاهل القتل. وطبعًا سبب الاستحقاق موجود دايمًا. لو الضحية من جنسية مختلفة يبقى (ماكلهم كده)، من ديانة مختلفة يبقى (استفز مشاعرنا الدينية)، لو ست، هنفتش في لبسها، وسبب وجودها في المكان. ولو راجل غني، نقول (أكيد فلوسه حرام). ولو فقير، نقول (أكيد داخل في سكة شمال). ولو له رأي سياسي أو فكري مختلف، تتحول الجريمة عند البعض إلى فرصة لتصفية حساب قديم: (مش ده اللي كان بيقول كذا؟ أهو شاف بقى). وكأن الحق في الحياة بقى مش حق أصيل للإنسان، لكنه عضوية في نادي خاص، لازم الضحية تستوفي شروطه الأول. لكن ولو اختلفت عننا في أي بند، تسقط عنها الحصانة، ويبقى دمها مسألة قابلة للنقاش. والمشكلة مش بس في تأثير الكلام على الضحية أو أهلها، لكن في تأثيره علينا إحنا. الاستهلاك اليومي للجرايم بيخلينا نفقد حساسيتنا بالتدريج. في الأول كنا بنصدم، بعدين بقينا نندهش، وبعدها اكتفينا بالتعليق، وقريبا يمكن نبقى محتاجين جريمة أبشع علشان نحس بأي حاجة أصلا. كأننا بنتفرج على مسلسل، مش حياة وموت ناس حقيقية.  يمكن السؤال اللي لازم نسأله الصبح مش: جريمة النهاردة إيه؟ لكن: الجريمة دي هتعمل فينا إيه؟ هل هتزود خوفنا؟ هل هتغذي كراهيتنا؟ هل هتخلينا نبرر العنف لمجرد إن الضحية مش شبهنا؟ ولا هنفتكر، ولو للحظة، إن العدالة مش معناها إننا نختار مين يستحقها، وإن التعاطف مش جائزة بنمنحها فقط للناس اللي على مقاسنا؟ لأن أخطر جريمة ممكن نصحى عليها يومًا، مش جريمة قتل جديدة، لكن خبر إننا، من كتر الفرجة والتعليق وإصدار الأحكام، فقدنا آخر جزء فينا كان لسه قادر يشوف الآخر إنسان..

  5. 6d ago

    هند الإرياني: لباس "غير محتشم" في مدرسة في اليمن

    انتشرت صورة لفتيات يقفن صفًّا في ساحة مدرسة، وقصّة هذه الصورة تناقلها الكثير من اليمنيين. تتحدّث الصورة عن مديرة مدرسة في صنعاء عاقبت فتيات لأنّ لباسهنّ غير محتشم. عندما فتحت الصورة، تفاجأت؛ لم يكن ما يلبسنه متوقّعًا. جلابيب سوداء طويلة، ونقاب يخفي الوجه ولا تظهر منه إلّا العينان، وإسدال يغطّي كامل الجسد، وتحته جلباب واسع وطويل. ألوان غامقة وشمس خانقة. قصّة هؤلاء الفتيات كانت غريبة بالنسبة لي وللكثيرين الذين نشروا الصورة. لقد قامت مديرة المدرسة برفض هؤلاء البنات بسبب لباسهنّ، لأنّه -بحسب كلامها- ليس محتشمًا بشكلٍ كافٍ. وعاقبتهنّ بالوقوف تحت الشمس، وبينما والدتهنّ تنتظر المديرة، أيضًا تحت الشمس، أُغمي عليها من التعب. قام أخو البنات بتصوير أخواته على أمل أن تنتشر الصورة ويحكم الجميع على هذه المديرة. المديرة هدّدت بطرد الفتيات، ولا نعلم ماذا حدث بعد ذلك. كنت أعتقد أنّني درست الإعدادية والثانوية في أسوأ فترة للتطرّف مرّت على اليمن، فترة التسعينيات الأليمة. ولكن مقارنة باليوم، تعتبر فترة ذهبيّة. كنّا نلبس حجابًا أبيض وبالطو رماديًّا يصل للركبة وتحته بنطال رماديّ. لباسي للمدرسة، والحجاب الأبيض، الذي كان يفرض علينا أيضًا، يعتبران اليوم لباسًا "متحرّرًا" مقارنة بلباس اليوم. وإذا عدنا للوراء أكثر سنجد أنّ زيّ طالبات المدرسة في الثمانينيّات كان أكثر تحرّرًا من زيّ مدرستي في التسعينات. كان الزيّ في الثمانينيّات قميصًا وجيبة طويلة. ألوان فاتحة؛ أبيض وأزرق فاتح، والشعر ظاهر والعياذ بالله. مؤسف ما وصلت إليه اليمن. الواضح أنّ التطرّف، الذي ينتج عنه دائما قمع النساء، يزداد. ليس فقط في اليمن، ولكن في الكثير من الدول التي حدثت فيها ثورات الربيع العربيّ ثمّ اضطرابات وحروب. وهذا خطر ليس فقط على هذه الدول، وإنّما على العالم. ولن أقول إلّا كما تقول الأمم المتّحدة: "أشعر بالقلق".

  6. Aug 13

    جمانة حداد: القليل الذي بقي

    "راح الكثير وبقي القليل". جملة لطالما رددتها والدتي على مسامعي، ولا تزال ترددها، في ظروف شتى. كانت تقولها حين تعصف بي مرحلة صعبة، كأنها تمد لي جسراً فوق هاوية. وتقولها عندما يطول مرض أو يشتد وجع، لتعزّيني ولتقنعني بأن الجزء الأصعب صار خلفي، وبأن ما تبقى لن يكون إلا آخر المنحدر. لكنها ما فتئت ترددها، أولاً وخصوصاً وقبل كل شيء وبعد كل شيء، كلما دار الحديث على لبنان. "راح الكثير وبقي القليل". أي إن العاصفة، مهما اشتدت علينا، لا بد أن تتعب. وأن الحياة، مهما قست، لا تستطيع إلا أن تلين. وأن الأسوأ، بحكم المنطق، لا بد أن يكون قد مضى على هذه البلاد. كبرت وأنا أريد أن أصدقها. لكنني اليوم أجد نفسي أسألها، حتى لو لم أبح بالسؤال: أي كثير هو ذاك الذي مر يا أمي وأي قليل بقي؟ لماذا يبدو لنا، كل صباح، أن ما ينتظرنا أثقل وأصعب مما مضى؟ لماذا صار الأمس، بكل مآسيه، يبدو أقل فداحة من الغد الذي يطل علينا؟ كأننا نعيش في بلد لا يكتفي بأن يضيف جرحاً إلى جرح، بل يبتكر كل مرة طريقة جديدة للألم. في لبنان، لم تعد الكوارث استثناءً، بل صارت الإيقاع اليومي للحياة. حرب تلد حرباً، ومصيبة تجر خلفها مصيبة، وخيبة تلد أخرى أكبر منها. حتى الذاكرة لم تعد قادرة على ترتيب المآسي بحسب أحجامها. هل كانت الحرب الأهلية أفدح؟ أم الانهيار المالي؟ أم تفجير المرفأ؟ أم النزوح؟ أم الحروب المتلاحقة؟ أم ذلك التآكل البطيء الذي يجعل الإنسان يستيقظ كل يوم ليكتشف أنه فقد شيئاً جديداً من روحه، من وطنه، من كرامته، ومن قدرته على الاحتمال؟ الأخطر من ذلك كله أن سقف توقعاتنا انخفض إلى حد صار فيه غياب المأساة إنجازاً. وهذه، في رأيي، هي الهزيمة الحقيقية: حين يصبح الخراب هو المعيار، ويغدو الطبيعي استثناءً. مع ذلك، أرفض أن أتهم أمي بالسذاجة. هي تعرف لبنان أكثر مني. عاشت حروبه كلها تقريباً، ورأت ما يكفي ليحق لها أن تستسلم، لكنها لم تفعل. ربما هي لا تقصد أن الأسوأ قد انتهى فعلاً، بل تحاول أن تمنعني من أن أمنحه انتصاره الكامل. هي تقول: "راح الكثير وبقي القليل"، لا لأنها واثقة من المستقبل، بل لأنها تعرف أن الإنسان إذا اقتنع بأن لا نهاية للألم، توقف عن مقاومته. لهذا قررت أن أترجم عبارتها، من الآن فصاعداً، بطريقة مختلفة: لا أن القليل هو ما بقي من الصعوبات، بل هو ما بقي لنا لنحميه: ما تبقى من قدرة على الدهشة، ومن كرامة، ومن حب، ومن ذاكرة، ومن رغبة في ألا يتحول الخراب إلى قدر. ذلك القليل هو ثروتنا الأخيرة. وإذا فرطنا به، فلن يكون قد راح الكثير فقط، بل سيكون كل شيء قد راح.

  7. Aug 12

    عروب صبح: الطفولة الرقمية.. متى نقول كفى؟

    لم يعد السؤال المطروح .. كم هو الوقت المسموح للطفل أن يقضيه على مواقع التواصل؟؟ لقد أصبح الأمر خطيراً لدرجة أنه من الممكن اعتباره مسألة أمن قومي ... خلال السنوات الأخيرة، بدأت دول متزايدة تتجه إلى فرض قيود عمرية صارمة على حسابات الأطفال، وبعضها ذهب إلى حد المنع. كانت أستراليا نقطة التحول الأبرز؛ فمنذ 10 ديسمبر 2025 أصبح على المنصات المشمولة بالقانون اتخاذ خطوات معقولة لمنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات. وشملت القائمة في ذلك الوقت منصات كبرى مثل Instagram وTikTok وFacebook وYouTube وSnapchat وX وReddit لم تتوقف الموجة عند أستراليا. ففي مارس 2026 بدأت إندونيسيا تطبيق قواعد تمنع الأطفال دون 16 عامًا من امتلاك حسابات على المنصات رقمية، فيما أقرت فرنسا في يوليو 2026 قانونًا يمنع من هم دون الخامسة عشرة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، على أن يبدأ تطبيقه في سبتمبر. أما المملكة المتحدة فأعلنت أنها ستمنع شركات التواصل الاجتماعي من تقديم خدماتها لمن هم دون السادسة عشرة، على أن يبدأ التطبيق المتوقع في ربيع 2027. هكذا يبدو أننا أمام اتجاه عالمي آخذ في التشكل، وإن اختلفت الأعمار والتفاصيل القانونية من بلد إلى آخر.  توثق اليونيسف هذا التحول باعتباره انتقالًا متزايدًا نحو القيود العمرية كإحدى أدوات حماية الأطفال في البيئة الرقمية. هل الحماية تعني العزل هناك من سيقترح ربما ( نعم ) بالذات للأعمار الصغيرة التي تحتاج الى التفاعل مع بعضها والعالم من حولها وبناء أجسادها ومهارتها بالحركة واللعب والتفاعل الحقيقي المباشر.. وهناك من قد يجيب ب ربما ( لا ) يكون الحل المثالي هو الحظر الكامل ولا الحرية المطلقة. فالطفل يحتاج إلى تربية رقمية بقدر حاجته إلى الحماية الرقمية. يحتاج أن يتعلم كيف يميز الحقيقة من التضليل، وكيف يحمي خصوصيته، وكيف يتعامل مع التحرش والتنمر، وكيف يفهم الخوارزميات، وكيف يدرك أن عدد الإعجابات لا تحدد قيمته. في عالم مثالي  تحتاج شركات التكنولوجيا إلى تحمل مسؤوليتها عن التصميم، والمحتوى، والخوارزميات، وآليات التحقق من العمر. أما الدولة، فدورها أن تضع قواعد تجعل مصلحة الطفل جزءًا من تصميم البيئة الرقمية نفسها، لا مجرد شرط صغير في نهاية شروط الاستخدام. الأهل والعائلة ... هم الأصل في الحماية أو (عدمها) بالتأكيد..

  8. Aug 11

    غادة عبد العال: كبش الفداء!

    كل فترة بيكون عندنا تريند ما خاص بالمطاعم، مطعم بيغش في المكونات، مطعم بيتشمع بعد ضبط مأكولات غير صالحة للاستهلاك، مطعم بيطرد واحد أو واحدة لعدم تحقيقهم لمتطلب معين من دخول المطعم، زي المطاعم اللي بتطلب أكاونت الإنستجرام عشان تحدد الزبون يليق بالقعاد عندهم أو لأ، للخناقة المعتادة بتاعت المطاعم اللي بتقدم مشروبات روحية فبتمنع دخول المحجبات. من كام يوم، خناقة مختلفة بدأت في مطعم بسبب .زبونة عايزة تصلي في المكان، فتشاجرت مع مدير المطعم. قصتها كانت إنه تعدى عليها لفظيا واتكلم بقلة ذوق، وقصته إنها كانت متحفزة ورفضت اقتراحه بوجود مكان للصلاة قريب من المطعم. وكالعادة تحولت الخناقة في ظرف ساعات، إلى واحدة من المعارك اللي بقينا متخصصين فيها على السوشيال ميديا. مش مهم قوي إيه اللي حصل بالضبط، ومين قال لمين إيه لأن بعد أول كام ساعة، أصل الحكاية نفسه تقريبًا اختفى، وبدأت الحكاية اللي بقت أهم منه بكتير: مين في الحدوتة دي هيكون كبش الفداء اللي الناس على السوشيال ميديا هتوصله بإيديها لحد المقصلة وتقف تتفرج عليه ورقبته بتطير. في البداية، الناس الغاضبة من الموظف طالبت المطعم بالاعتذار، وده مفهوم. بعدين الاعتذار ما بقاش كفاية، لازم الموظف يتفصل. ولما اتقال إنه اتفصل، برضه الموضوع ما خلصش، وظهر اللي شايف إن الفصل عقوبة بسيطة، وإن الراجل لازم يتحبس. الفريق المقابل بدأ يدور ورا الست نفسها. مين دي؟ بتشتغل إيه؟ قالت إيه قبل كده؟ ومين أهلها؟ وهم كمان قالوا إيه قبل كده؟.وده واحد من أغرب اختراعات عصر السوشيال ميديا: إن حقوقك بقت مرتبطة بتاريخك الشخصي بل وبتاريخ عيلتك كمان. لو اشتكيت من موقف حصل لك النهارده، لازم الأول نعمل لكم مراجعة شاملة للعشر سنين اللي فاتوا، ونشوف بوستاتكم القديمة وآراءكم وصوركم وعلاقاتكم. وبعد حملة التدقيق صدر حكم الفريق المقابل: لأ ثواني شوف أبوها كان كاتب إيه من ١٠ سنين، دي هي بأه اللي لازم تتحبس. وكأن الماضي بقى دليل لوحده بيحسم قضايا الحاضر، يعني مافيش احتمالية ان حد أخطأ في الماضي أو قال رأي يؤخذ عليه وقتها، وفي نفس الوقت ممكن يبقى عنده حق في الموقف اللي بيحصل النهاردة؟ ده غير اننا بقينا بنتعامل مع أرزاق الناس وحريتهم كأنها لعبة فيديو. موظف غلط؟ يتفصل كأن الوظيفة دي مش مصدر دخل لإنسان وراه بيت وأطفال وأقساط وحياة كاملة هتتهز من أساسها. . واحدة استفزتنا؟ تتحبس. وموضوع الحبس ده بقى حاضر في نقاشاتنا اليومية باستهانة غريبة. كل مناقشة حادة شوية في أي موضوع لازم تلاقي ٢٠ واحد في التعليقات بيعمل مينشان لوزارة الداخلية. فهل كل تصرف مستفز جريمة؟ وهل كل إساءة تستحق السجن؟ وهل إحنا أصلًا عايزين نعيش في مجتمع كل خلافاته تتحل بالحبس؟ مابقاش فيه مساحة في النص اسمها: واحد غلط ويتحاسب على قد غلطه، مابقاش فيه تقدير لإن حياة بني آدم ممكن تنتهي بسبب مطالبات بنعملها على الفيسبوك واحنا بنشرب قهوة ساقعة في التكييف. ما بقاش فيه أهمية لتفاصيل أي حادثة من الأساس، الأهم في كل ده إننا  لازم نلاقي كبش فداء رقبته تطير فداء تشفينا وتسليتنا وإلا كلنا مش هنرتاح.

About

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

More From مونت كارلو الدولية / MCD

You Might Also Like