موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

  1. 1 day ago

    هند الإرياني: الذهاب للجنّة

    مع زيادة الحروب حول العالم، والأوضاع المادّيّة السيّئة التي نتجت عن هذه الحروب، أصبح الناس يبحثون عن النجاة بحلم الذهاب لدولة آمنة تنقذهم، وبينما تغلق هذه الدول الآمنة أبوابها بسبب زيادة المشاكل فيها، يصبح الموضوع وكأنّنا في يوم القيامة، الجميع يركض محاولًا الوصول للجنّة. وصلتني الكثير من الرسائل من موظّفي السفارة الأميركية في اليمن طالبين منّي أن أتحدّث عن قضيّتهم. الجنّة كانت بالنسبة لهم هي الوصول إلى أميركا بعد أن هربوا من اليمن خوفًا من أن يقبض الحوثيّ عليهم بعد أن قام بالقبض على مجموعة منهم بتهمة التجسّس. وكما نعرف. هناك أيضًا موظّفو الأمم المتّحدة والمجتمع المدنيّ في نفس هذه السجون وبنفس التهم. نعود للموضوع، هؤلاء الموظفون من كلّ الطبقات الاجتماعية، وعددهم كبير جدًّا، ممّن عملوا في السفارة عبر السنين. بعثوا لي رسالة قالوا فيها بأنّ الكثير منهم غادر إلى مصر بعد وعود من السفارة الأمريكية بأنّهم سيسافرون إلى أميركا، فباعوا ما وراءهم وما أمامهم من أجل هذا السفر. وبحسب كلامهم إنّ الإجراءات طالت بالنسبة لعدد كبير منهم يفوق المئة شخص إلى أن جاء قرار ترامب بمنع اليمنيين من دخول الولايات المتّحدة. وهكذا علقوا في مصر، لا يستطيعون العودة إلى اليمن، والديون عليهم كبيرة، ولا يستطيعون دفع أموال إقامتهم ولا تعليم أولادهم، أوضاعهم أقلّ ما يقال عنها مأساوية. بعث لي أحدهم صوره هو وأولاده الذين يعانون من الأمراض. هذا الوضع المأساويّ يعيشه الكثيرون في دولنا العربية ممّن نزحوا سواء داخل البلد نفسه أو من دولة إلى دولة أخرى لا يستطيعون الإقامة فيها وإنّما فقط الانتظار. وهناك للأسف "نصّابون" يستغلّون حاجة هؤلاء الناس لأمل ليعدوهم بإدخالهم للدولة الموعودة بمقابل مادّيّ ثمّ ينكلون بهم. هذه المآسي والهروب للجنّة الموعودة يذكّرني بمشاهد الأفغان في الأخبار، وهم يلحقون بالطائرة الأمريكية يتعلّقون بها بعد أن أصبحت بلدهم تحت حكم طالبان، هم كانوا أيضًا يتعلّقون بأمل. أمل دخول الجنّة بعد أن دُمّرت جنّتهم.

    3 min
  2. 2 days ago

    جمانة حداد: نكاية بالإحباط

    في الأمس أعدتُ قراءة بعضٍ مما كتبته خلال الأشهر الفائتة، فانزعجت. انزعجت من نفسي، وانزعجت لنفسي. لماذا؟ لأن القسم الأكبر من تلك النصوص والمقالات يطفح بالحزن والخيبة والخوف والغضب والإحباط. الإحباط خصوصاً.  في اختصار، شعرتُ إذ أقرأ بأن كلماتي عبارة عن "نقّ" متواصل. ما من طريقة أخرى لوصفها. طبعاً، أعرف أني لا ألام. فمن مثلي اختبر ما اختبرته في هذه المرحلة، وقبلها في غالبية مراحل حياتي، يكون بطلاً، أو حتى إنساناً خارقاً، إذا لم يشتكي من حين الى آخر.  ولكن، فكّرت: فلأحاول أن أغيّر المعزوفة لمرّة، لعلّ النتيجة تتغيّر. لأجل ذلك قررت اليوم أن أعبّر عن امتناني، نكاية بكل لحظة إحباط عشتها. أنا ممتنّة لجميع الذين يمنحونني حبّهم يومياً، وممتنة أيضاً لجميع الذين يتيحون لي أن أحبّهم، وهم لا يقلّون عن الفئة الأولى أهمية عندي، لأن الحب، اذ يعطى، يكاد يكون أطيب من الحب اذ يؤخذ. ممتنّة للذين يؤمنون بي، ويقفون الى جانبي، ويساندونني في أصعب الظروف.  ممتنّة للكرماء، والنزهاء، والطيبين. ممتنّة لكلّ مَن وما يلهمني ويحفّزني: الكتب، الأفلام، القصائد، الأغنيات، الأماكن، رفاق الدرب، الألم الذي شهدتُ عليه والألم الذي عانيته. ممتنّة لكل عناق أتلقاه، وممتنّة لكل قبلة أعطيها. ممتنّة للغرباء الذين يبتسمون لي مجاناً، من دون أي سبب. ممتنّة للحظات الصفاء التي اختبرتها واختبرها رغم الرعب رغم الشكوك رغم الحروب رغم القرف رغم الوجع الذي ينهشني. ممتنّة لنعمة عقلي وما يحقق، وممتنّة لنعمة جسدي وما يحتمل. ممتنّة لكل مرة أقهقه فيها كطفلة. ممتنّة أيضاً وخصوصاً لأصدقائي الذي يحتملون أسوأ ما فيي، ورغم ذلك لا يديرون ظهروهم لي ولا يهربون مني. ختاماً، لن أتظاهر بأن العالم بخير. العالم ليس بخير. ولن أدّعي أن وجعي أقلّ مما هو عليه. لكنه، اليوم، لن ينتصر وحده. اليوم، أريد أن أترك للامتنان الكلمة الأخيرة.

    3 min
  3. 3 days ago

    عروب صبح: "ماذا يعني أن تكوني أماً فلسطينية؟"

    المرأة الفلسطينية مستهدفة في كينونتها الأنثوية كامرأة وأم. هي قد تنتظر خطيبها أو زوجها المعتقل الى ما لا نهاية..وقد تكون هي المعتقلة في ظروف بالغة الصعوبة. قد تصبح أرملة قبل أن تزف له أو تجبر على الولادة داخل المعتقل. هي مشروع أم ثكلى كل يوم. وهي امرأة مجبرة أن تستمر بالحلم في بيت واستقرار منذ طفولتها وحتى الشيخوخة.   في بحثي عن الأمومة الفلسطينية لتوثيق قصص الأمهات الفلسطينيات وجدت مقالاً نشره موقع حبر لأحمد نظيف، جرى خلاله تناول الأمومة الفلسطينية بوصفها تجربة تتجاوز معناها البيولوجي والوجداني المعتاد، لتتحول تحت الاحتلال والحرب إلى فعل مقاومة يومي في مواجهة سياسات القتل والاقتلاع. فالأم الفلسطينية لا تواجه فقط تحديات التربية والرعاية، بل تعيش في قلب صراع يستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، حيث يصبح الحفاظ على الحياة شكلًا من أشكال التحدي في وجه الموت. يشير الكاتب إلى أن الأمومة في زمن الحرب تتحول إلى «منارة في العاصفة»، إذ تواصل الأمهات أداء أدوارهن الأساسية رغم القصف والتهجير والخوف. ففي الوقت الذي تنهار فيه البيوت وتتعطل مقومات الحياة، تظل الأم تحاول توفير الأمان لأطفالها، سواء عبر هدهدة وسط أصوات الانفجارات أو ابتكار لحظات من الفرح في مراكز النزوح والخيام. يستعرض المقال حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها الأمهات الفلسطينيات، موضحًا أن نحو20 ألف طفل فلسطيني قُتلوا في الحرب الإسرائيلية على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، من بينهم أكثر من 2100 رضيع، في واحدة من أعلى أرقام الضحايا الأطفال في الحروب الحديثة. كما يلفت إلى معاناة الأمهات المريرة مع اعتقال أطفالهن، حيث أشارت تقديرات حزيران 2024 إلى وجود 226 قاصرًا فلسطينيًا محتجزين لأسباب أمنية، إضافة إلى 93 قاصرًا آخرين محتجزين بدعوى الوجود غير القانوني داخل إسرائيل. يتناول المقال أيضًا أوضاع النساء النازحات في غزة، حيث تحتاج أكثر من 690 ألف امرأة إلى مستلزمات النظافة الأساسية، بينما تلد نحو 5500 امرأة شهريًا في ظروف إنسانية وصحية بالغة الصعوبة. الإحصاءات تؤكد على قتل اسرائيل لأكثر من 17 ألف امرأة منذ بدء الحرب، كثيرات منهن أمهات فقدن حياتهن مع أطفالهن أو أثناء محاولتهن حمايتهم دون أن يتمكن أحد من رواية قصة كل واحدة منهن حتى الآن. إن الأمومة الفلسطينية ليست مجرد علاقة بين أم وطفل، بل تجربة وجودية وسياسية وإنسانية عميقة، تتجسد فيها إرادة البقاء في مواجهة واقع يسعى باستمرار إلى نفي الحياة وتدمير شروطها الأساسية.

    3 min
  4. 4 days ago

    غادة عبد العال: "هدف في مرماهم! "

    كأس العالم هو مناسبة دورية يتمتع عن طريقها مشجعي الكرة في جميع أنحاء العالم بالمباريات وحماسها وأخبار اللاعبين وأهدافهم، لكن إثارة الجدل ما بتكونش بعيدة عن كل كاس عالم أيا كان المكان المقام فيه.     السنة دي كأس العالم يقام في الولايات المتحدة والمكسيك، دول مش بعيدة عن إثارة الجدل خاصة في ظل تغيرات عالمية وإقليمية، خلت السياسة تخيم على الأجواء خاصة في ظل أخبار اللاعبين اللي منعوا من الدخول، والحكام اللي أثارت تأشيرات دخولهم أو منعها الجدل، وخلافات الهجرة والأمن، فبدا أن البطولة قررت إنها تقدم لنا كل شيء باستثناء كرة القدم نفسها. لكن وسط هذا الزحام لفت انتباهي خبر مختلف تماماً: الحكومة الأرجنتينية أعدت قائمة تضم نحو ثلاثة عشر ألف أب متخلف عن دفع نفقات أبنائه، وبعتتهم للسلطات الأمريكية عشان تمنعهم من حضور مباريات المنتخب الأرجنتيني. تخيلوا الرقم! ١٣ألف شخص كان عندهم الوقت لمتابعة جدول المباريات، وحجز التذاكر، وشراء القمصان، ومناقشة خطة اللعب، وربما الدخول في معارك إلكترونية حول من يستحق ارتداء الرقم عشرة. لكنهم ما كانش عندهم الوقت أو الرغبة أو الإحساس بالمسؤولية لإرسال نفقة أطفالهم. أول ما قريت الخبر لقيت نفسي بفكر في عالمية المشكلة دي.. إحنا هنا في الشرق الأوسط السعيد بنتصور أحياناً أن بعض الأزمات تخصنا وحدنا. لكن يبدو أن الآباء الموهوبين في الاختفاء عندما يحين موعد دفع المصروفات موجودون في كل القارات، وبيتحدثوا كل اللغات، وبيشجعوا كل المنتخبات. هناك شيء مدهش في قدرة بعض الرجال على تذكر مواعيد المباريات بدقة فلكية، بينما يصابون بفقدان ذاكرة مؤقت لما الأمر يتعلق بمصاريف مدرسة أو علاج أو ملابس طفل. يعرف المشجع الهمام أن مباراة الأرجنتين تبدأ الساعة السابعة وثلاثة وعشرين دقيقة، لكنه مش فاكر طبعا تاريخ ميلاد ابنه الكبير. هتلاقيه حافظ عدد عدد أهداف ميسي الدولية، بس ناسي معاد تسديد مصاريف المدرسة. عارف كويس قوي مواعيد انتقال لاعب من نادي إلى آخر، بس ناسي معاد جلسة استئناف حكم النفقة، اللي محاميه رافعها عشان يقلل النفقة الشهرية من ٥٠٠ جنية ل٣٠٠ بس.  موهبة تستحق الدراسة العلمية. واللي عجبني في القرار الأرجنتيني مش المنع نفسه، بل طريقة التفكير، لأن الكتير من الدول بتتعامل مع الأحكام وكأنها نهاية القصة. يصدر الحكم، يطبع على ورقة، يختم بختم رسمي جميل، ثم يبدأ الجميع في انتظار معجزة تجعل المحكوم عليه يلتزم من تلقاء نفسه. أما الأرجنتين فقررت انها تسأل سؤال مختلف:  إيه اللي ممكن يزعج الناس دي فعلاً؟ مش السجن، ولا الإنذارات، ولا الإخطارات الرسمية. لكن ماتشات المنتخب؟ هنا قد يبدأ الانزعاج.. قد تبدو الفكرة غريبة أو شعبوية أو حتى غير قانونية في نظر البعض، لكن لا يمكن إنكار أنها خارج الصندوق. وأنها جابت هدف في مرمى هؤلاء المشجعين الأندال. لأنها بالنسبة لي خلتني أحس إن فيه دولة مشاركة في كاس العالم قررت انها تهتم بطفل قاعد يتفرج على منتخب بلاده ويسمع سلامها الوطني، وبدل ما يتنكد لما يشوف على الشاشة أبوه اللي صرف فلوسه على السفر والتشجيع بدل ما يسدد نفقته، يعرف إن بلده مهتمة إنها ولو بشكل رمزي تحقق له العدل في التكدير والنكد..

    3 min
  5. 5 days ago

    سناء العاجي الحنفي: "هل النسوية تقتل؟ الذكورية تقتل..."

    يخيفوننا من النسوية . يقولون إنها تهدد الأسرة، وتهدد الرجال، وتهدد المجتمع. لكن، لنسأل بهدوء:  كم رجلاً قُتل لأنه رجل، على يد امرأة “نسوية”؟ وكم امرأة تُقتل كل يوم لأنها امرأة، لأنها قالت لا، لأنها أرادت الطلاق، لأنها رفضت علاقة، لأنها خرجت من بيت عنيف، أو لأنها فقط وُجدت في عالم يعتبر جسدها وقرارها ووجودها ملكاً للآخرين؟   النسوية لا تعلّم النساء قتل الرجال. النسوية تطالب بالمساواة، بالكرامة، بالحق في الحياة، بالحق في السلامة، وبأن لا تكون المرأة مواطنة من درجة ثانية. أما الذكورية، حين تتحول إلى إيديولوجيا، فهي لا تكتفي بتفضيل الرجال. إنها تصنع عدواً اسمه النساء. تقول لبعض الرجال والمراهقين إن مشكلتهم ليست في العزلة، ولا في الفشل، ولا في العنف الذي تربّوا عليه، بل في النساء.  ثم تأتي فضاءات رقمية، مثل بعض جماعات الـ. ـ incel، لتزيد الحقد تنظيماً، وتحوّل الإحباط إلى كراهية، والكراهية إلى عنف. رأينا هذا في البرازيل ورأيناه في فرنسا ورأيناه في مصر وفي الأردن وفي المغرب وفي غيرها. هنا، لا نتحدث عن “مزاح ثقيل” ولا عن “رجولة تقليدية".  نتحدث عن خطاب يقول إن النساء سبب انهيار العالم، وإن النسوية مؤامرة، وإن الرجل ضحية لأنه لم يعد قادراً على السيطرة كما كان. وهذا الخطاب ليس بريئاً. لأننا، حين نزرع كراهية النساء، نحصد العنف ضدهن. وحين نبرر التحكم، نفتح الباب للضرب والجرح والقتل. وحين نمجّد الامتلاك، يصبح القتل أحياناً نهاية منطقية لهذا المسار المرعب. لذلك، السؤال الحقيقي ليس: هل النسوية خطيرة؟ السؤال هو: إلى متى سنواصل التطبيع مع ذكورية تقتل؟ النسوية لا تهدد الحياة. هي تطالب بأن تعيش النساء بحقوق وكرامة. أما الذكورية المتطرفة، فقد أثبتت، في كل مكان، أنها قادرة على تحويل البيت والشارع والإنترنت إلى فضاءات خوف. ومن يخاف من النسوية أكثر مما يخاف من قتل النساء، عليه أن يراجع معنى الخطر.

    3 min
  6. 13 Jun

    التربية.. طُرق أم صَقْل؟

    لقاءات الغربة لعل ما يميز الغربة أنها في أوقات كثيرة تجمعك بشخصيات مهمة بطرق تلقائية دون تخطيط مسبق. تعرفت على الدكتور مُسلم تسابحجي عبر كلبهاوس في فترة الكورونا وكنا نلتقي في غرف مختلفة تتحدث في السياسة والثقافة والصحة. عرفت أنه صديق مشترك لأصدقاء عدة لكن الوقت لم يسمح باللقاء الا مؤخراً حيث التقيته مع زوجته العزيزة منال ومجموعة من الأصدقاء... أمضينا أمسية جميلة وسعدت بعدها بحصولي على نسخة من كتابه... "أبناؤنا جواهر ولكننا حدادون"  ينطلق الكتاب من تجربة إنسانية، شخصية صادقة عاشها المؤلف نفسه، حاول أن يفهمها ويعيد قراءتها في ضوء المفاهيم التربوية. عنوان الكتاب يحمل استعارة بليغة؛ فالأطفال في نظر المؤلف ليسوا قطعًا من الحديد تحتاج إلى ضغط وطرقٍ وتشكيل، بل جواهر ثمينة تحمل في داخلها إمكاناتها الخاصة تحتاج أن تعامل بحرفية واهتمام. يبدأ د مسلم بالاعتراف بأخطائه الشخصية في التربية، فيستعيد ذكريات طفولته مع أساليب العقاب والخوف التي تعرض لها، ثم يعترف بأنه كرر بعضها مع أبنائه رغم أنه كان قد أقسم في صغره ألا يفعل ذلك يومًا. هذه المصارحة تشكل العمود الفقري للكتاب، إذ لا يتحدث الكاتب من موقع الخبير المتعالي، بل من موقع الأب الذي أخطأ ثم حاول أن يتعلم. يشدد الدكتور مسلم على دور القدوة، ويرى أن الأبناء يتعلمون مما يفعله الكبار أكثر مما يتعلمون مما يقولونه. ولذلك يكرر أن التربية ليست تعليمات تُلقى، بل نموذج يُعاش أمام الطفل يوميًا.  يرتكز الكتاب على ثلاثة مبادئ أساسية يعتبرها المؤلف جوهر التربية الفعالة: بناء الثقة. اصطياد الإيجابيات. إعادة توجيه السلبيات لعل أكثر ما يميز الكتاب أنه لا يقدم نصائح مجردة، بل دروسًا استخلصها المؤلف من حياته الشخصية، ومن أبرزها: أن الخوف قد يصنع طفلًا مطيعًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع شخصية قوية. أن كثرة التحكم في الأبناء تضعف استقلاليتهم وثقتهم بأنفسهم. أن الحب غير المشروط أكثر تأثيرًا من العقوبات المتكررة. أن اللعب والمرح ليسا ترفًا، بل وسيلة تربوية فعالة. أن الطفل يحتاج إلى الاحترام بقدر حاجته إلى الطعام والرعاية. ومن الأفكار الجميلة التي يكررها الكاتب أن مهمة الوالدين ليست "صناعة" الأبناء، بل مساعدتهم على اكتشاف ذواتهم الحقيقية. الكتاب لا يقدم وصفات سحرية للتربية، لكنه يطرح سؤالًا عميقًا: هل نربي أبناءنا حقًا، أم نحاول تشكيلهم وفق الصورة التي نريدها نحن؟ الطفل إنسان كامل الكرامة يحتاج إلى الحب والثقة والاحترام. ومن هنا جاءت فكرة الجواهر؛ فالجوهرة لا تُطرق بالمطرقة كما يُطرق الحديد، بل تُكتشف قيمتها، وتُصقل برفق، وتُمنح الفرصة لتكشف عن بريقها الكامن.

    3 min
  7. 12 Jun

    هند الإرياني : كيف يدافع "المؤثّر المحترم" عن المتحرّش؟

    كتب شابّ يمنيّ -مؤثّر- مغترب في دولة أجنبية: "يا شباب انتبهوا، يؤسفني أن أخبركم، لقد تمّ القبض على شابّ يمنيّ جديد في الدولة التي أنا فيها لأنّه كان يتحرّش بقاصر. قلت لكم يا شباب، هذه الأفعال ممنوعة هنا، وحتى لو كنت غير مذنب ربّما يتمّ طردك. انتبهوا". هذا التحذير المتعاطف مع المتحرّش أثار غضبي. يقول له أنّه غير مذنب! إن كان المؤثّرون المتعلّمون الذين نظنّ أنّهم واعون بهذا الشكل، فما بالك بالجهلة؟ كلّ يوم أقرأ منشورًا لفتاة يمنيّة تشتكي من التحرّش والسباب الذي تقرؤه يوميًّا في صفحتها على السوشيال ميديا. سواء كانت فنّانة، أو كاتبة، أو سياسيّة، أو مؤثّرة.. المهمّ أنّها امرأة تظهر بوجهها وتتحدّث أمام الكاميرا، وهنّ بالمناسبة قليلات جدًّا على السوشيال ميديا. كتبن بأنّ الموضوع أصبح لا يُطاق. قامت بعضهنّ بنشر فيديوهات يشرحن فيها كيف أنّ ثقافة التحرّش وسبّ النساء غير مقبولة، بينما اكتفت أخريات بالحسبنة. فعندما نقرأ في صفحتها: "حسبي الله ونعم الوكيل"، نفهم أنّها تقصد التعليقات التي تقرؤها، وتخاف من أنّ مناقشتها للموضوع قد تجلب المزيد من التحرّش والسباب. عندما أقرأ صفحات الرجال اليمنيّين الذين من المفترض أنّهم ينشرون الوعي، أجد أغلبهم، باستثناء واحد أو اثنين، ليسوا مهتمّين بما يحدث للنساء في وسائل التواصل، أو يخافون من الدفاع عن النساء كي لا يخسروا شعبيّتهم. هم يخافون، بينما النساء الشجاعات يدافعن عن حقّهنّ في الوجود في وسائل التواصل التي حرمت منها النساء اليمنيّات بحجّة العيب والعار والشرف. وهكذا شجّع الكثيرون التحرّش والسباب معتبرين أنّ المرأة التي تُظهر نفسها ترتكب جرمًا، وأنّ التحرّش بها حلال. ثمّ عندما تأتي هذا الرجل فرصة للسفر، يجد نفسه يطبّق ما كان يفعله في السوشيال ميديا من تحرّش وأذى، فيتفاجأ بالعقاب، ولكنّه مع ذلك يجد من يدافع عنه. يجعلونه المسكين الغلبان الذي لا يعرف قوانين البلد. هو يظنّ أنّ التحرّش عادي في الدول الأخرى، يا حرام. طبعًا لا يعرف، لأنّ حضراتكم لم تناقشوا هذه المصيبة، ولم تنبذوا المتحرّشين سواء في الخارج أو الداخل. وعندما ذهب إلى بلد يعاقبه القانون على أفعاله، نصحتموه ألا يفعل ذلك هناك، ولكنّكم لم تقولوا إنّ هذا ممنوع سواء هناك أو في بلده، لأنّ التحرّش جريمة. وأنا أقرأ ما يكتبه الشباب الذين أعتبرهم "مؤدّبين ومتعلّمين"، شعرت باليأس. هؤلاء من نظنّ أنّهم سيساهمون في التوعية بينما هم من يساهمون في زيادة نسبة التحرّش، إذًا من سيقوم بدوره التوعويّ؟ خاصّة أنّ النساء، في كلّ مرّة يتحدّثن، لا يجدن إلا السباب وتشويه السمعة.

    3 min
  8. 11 Jun

    جمانة حداد: "إنه التاريخ"

    "إنه التاريخ، ثم التاريخ، ثم التاريخ مرة أخرى". هكذا يكتب وليد جنبلاط في مذكراته الصادرة حديثاً بالفرنسية عن منشورات "ستوك" في باريس، وتحمل عنوان " قدر في المشرق". جملةٌ مزلزِلة بالمعنى البنيوي التأسيسي، توقّفتُ عندها مراراً، بينما كنتُ أقرأ هذا الكتاب الذي يجمع بين السيرة الشخصية والتأمل السياسي وقراءة التحولات الكبرى التي عصفت بلبنان والمنطقة خلال العقود الماضية.   كم من مرة نظن أننا نصنع قراراتنا بحرية كاملة، ثم نكتشف أن التاريخ قد سبقنا إليها؟ كم من مرة نتصور أننا نعيش حدثاً جديداً، فإذا بنا نعيد تمثيل مشهد قديم بشعارات مختلفة وأبطال مختلفين؟ ليس التاريخ مجرد ما حدث في الأمس. إنه ما يواصل الحضور فينا حتى عندما نتوهم أننا تجاوزناه. قد تبدو الجملة كليشيهاّ، لكننا غالباً ننساها. في لبنان، تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة من أي مكان آخر. نحن أبناء بلد لا يكف عن الدوران في حلقاته المفرغة. تتغير الوجوه، تتبدل التحالفات، تسقط أوهام وتولد أوهام أخرى، لكن شيئاً عميقاً يبقى على حاله. كأننا نسير إلى الأمام  بأجسادنا فيما أقدارنا مشدودة إلى الخلف بحبال غير مرئية. نحب أن نتحدث عن المستقبل. نرفع شعارات التغيير والإصلاح والنهضة. لكن المستقبل لا يولد من الرغبة وحدها. إنه يحتاج إلى مصالحة حقيقية مع الماضي، لا إلى دفنه تحت السجاد الوطني. فالماضي الذي لا نواجهه يتحول إلى شبح. والمجتمعات التي ترفض قراءة جراحها تظل تنزف منها، حتى عندما تدّعي أنها التأمت. ربما لهذا السبب تبدو حياتنا اللبنانية اليوم معلقة بين زمنين. زمن قديم يرفض المغادرة، وزمن جديد لم ينجح بعد في الولادة. نرى ذلك في السياسة، وفي الثقافة، وفي العلاقات بين الطوائف، وحتى في اللغة التي نتحدث بها عن أنفسنا. نكرر المفردات نفسها منذ عقود: المقاومة، السيادة، المؤامرة، الخيانة، الانتصار، الهزيمة. كلمات استُهلكت إلى حد فقدت معه قدرتها على تفسير أي شيء، لكنها ما زالت تحكم وعينا الجماعي. مع ذلك، لا أقرأ عبارة جنبلاط بوصفها حكماً بالإعدام على المستقبل. على العكس. أقرأها كدعوة إلى التواضع. فالتاريخ ليس سجناً فقط، بل معلّم أيضاً. المشكلة ليست في أن التاريخ يلاحقنا. المشكلة في أننا نادراً ما نصغي إلى ما يحاول أن يقوله لنا. ربما يكون النضج الفردي شبيهاً بالنضج الجماعي. في الحالتين، لا نستطيع أن نصبح ما نريد أن نكونه قبل أن نفهم ما كنّاه. لا يمكن بناء هوية على الإنكار، ولا يمكن بناء وطن على النسيان. "إنه التاريخ، ثم التاريخ، ثم التاريخ مرة أخرى". كلما فكرت في هذه الجملة، بدا لي أنها لا تتحدث عن الماضي بقدر ما تتحدث عن المسؤولية. مسؤولية أننا شركاء في ارتكاب الاخطاء، مسؤولية أن نتوقف عن اعتبار أنفسنا ضحايا أبديين لما حدث، وأن نبدأ أخيراً بطرح السؤال الأصعب: ماذا سنفعل بكل هذا التاريخ الذي يسكننا؟ وهل سنظل نسمح له بأن يكتب مصيرنا، أم سنجرؤ للمرة الأولى على كتابة مصير مختلف؟

    3 min

About

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

More From مونت كارلو الدولية / MCD

You Might Also Like