مدونة اليوم

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

  1. 1d ago

    هند الإرياني: طاقة الأنوثة في أوّل date

    كتب رجل عربيّ على الفيسبوك يشتكي من تجربة وصفها بالسيّئة حدثت في موعد غراميّ أو “date” مع فتاة عرفها عبر الإنترنت، وتبادلا الرسائل، ولكنها كانت أوّل مرّة يلتقيان فيها وجهًا لوجه. ما تسبّب في صدمة هذا الرجل هو أنّه بمجرّد أن بدأ بالتعارف، مثل أيّ اثنين في موعد، بادرت الفتاة بسؤاله: "كم مرتّبك؟". ورغم غرابة السؤال، إلّا أنّه جاء نتيجة لثقافة جديدة انتشرت عبر التيك توك اسمها ثقافة "طاقة الأنوثة". "كم مرتّبك؟" هذا السؤال الذي يعتبر محرّمًا، ومن العيب أن تسأله حتّى للأصدقاء، إلّا إذا كان صديقًا مقرّبًا، فما بالك بأن يسأله لك شخص غريب عنك؟ ولكن يبدو أنّ هذه الفتاة قرّرت المخاطرة وسألت هذا السؤال المحرج. قال الرجل إنّ السؤال أربكه، فردّ عليها: "بالطبع لن أقول لك". كان ردّ فعلها مفاجئًا عندما ردّت: "إذاً أنا آسفة، لا أريد أن أضيّع وقتي، لقد ضيّعته كثيرًا مع أشخاص لم يكونوا مستقرّين في حياتهم، وليس لديهم هدف". كان ردّ فعل الرجل منطقيًّا، فقد قام بدفع الحساب وانسحب من الموعد بهدوء. في اليوم التالي اتّصلت به تعتذر وتبرّر مرّة ثانية سبب تصرّفها، وأوضحت أنّها كأنثى تؤمن بأنّ على الرجل أن يكون هو المسؤول مسؤولية كاملة عن الجانب الماديّ، وأنّ هذا يساعد طاقتها الأنثويّة. كتب الرجل حائرًا من هذا الموقف، وسألنا نحن أصدقاءه في الفيسبوك عن رأينا. وأنا أقرأ الردود استغربت جدًّا أنّ هناك عددًا لا بأس به من النساء قلن إنّ هذه الفتاة محقّة، وإنّ موضوع "الفلوس" هو الموضوع الأهمّ في وقتنا الحاليّ، وأضفن: "ما الفائدة من معرفة شخص وتضييع وقت، ثم يتبيّن أنّه فقير! الزمن ليس زمن الفقراء". وأكّدن رأي الفتاة عن "طاقة الأنوثة" التي تحتاج لرجل يصرف عليها. هذه التعليقات تجاهلت تمامًا أنّه من العيب أن تحرج شخصًا لا تعرفه بمثل هذا السؤال في أوّل مرّة تلتقيه فيها. هذا بالإضافة إلى أنّ هذا السؤال يجعل الموضوع وكأنّه صفقة، أو ربّما شبيهًا بالزواج التقليديّ. ولكن على الأقلّ، في الزواج التقليديّ، يتوقّع العريس مثل هذه الأسئلة، أمّا أن تلتقي بشخص وكأنّكِ فتاة تبحث عن شيء أعمق من المادّيّات والمظاهر، ثمّ تفاجئينه بمثل هذا السؤال في أوّل موعد؟ على الأقلّ كنتِ انتظرتِ شهرًا أو شهرين! أو ربّما "طاقة الأنوثة" لا تتحمّل الانتظار!

  2. 2d ago

    جمانة حداد: أن نثق أو لا نثق

    يقال إن الثقة أساس كل علاقة، وإن الروابط الإنسانية لا تستقيم من دونها. وإن المجتمعات لا تُبنى إلا عليها. كل ذلك صحيح، لكنه ليس الحقيقة كلها. فالتاريخ أيضاً بُني على الخيانات، والإمبراطوريات لم تسقط بسبب نقص الحب، بل بسبب فائض الثقة. أكثر الجراح عمقاً لم يصنعها الأعداء، بل أولئك الذين منحناهم مفاتيح أبوابنا وأسرارنا، وأجزاءً من ذواتنا. لهذا أجدني أميل إلى عبارة تبدو للوهلة الأولى متشائمة: من الجيد أن تمنح ثقتك، ولكن من الأفضل ألا تمنحها. ليس لأن البشر أشرار. هذه رؤية كسولة. البشر، ببساطة، بشر. متقلبون، متناقضون، أسرى مصالحهم ومخاوفهم ورغباتهم. قد يحبونك اليوم ويخذلونك غداً، لا لأنهم خططوا لذلك، بل لأنهم تغيّروا. الإنسان ليس كائناً ثابتاً، فلماذا نتوقّع منه ثباتاً مطلقاً في ولائه أو مشاعره أو مواقفه؟ الثقة المطلقة ليست علامة نضج، بل أحياناً علامة تقاعس. إنها تعفيك من مراقبة الواقع، ومن مراجعة الأحكام، ومن الاعتراف بأن الأشياء تتبدل. عدم الثقة، بالمقابل، لا يعني الارتياب المرضي. لا يعني أن تعيش خلف متاريس، أو أن تفتش في هواتف من تحب، أو أن ترى مؤامرة في كل كلمة. إنه يعني فقط أن تحتفظ بمسافة صغيرة بين قلبك وأوهامك. أن تمنح الآخر فرصة لأن يكون جديراً بثقتك كل يوم، لا أن تمنحه صكاً أبدياً باسم الحب أو الصداقة أو القرابة. الثقة ليست هدية تُمنح مرة واحدة، بل علاقة متحركة مع الواقع. واليوم الذي تتوقف فيه عن مساءلتها هو اليوم الذي تتحول فيه إلى سذاجة. ربما لهذا السبب تكون الخيانة دائماً صادمة. ليس لأنها استثناء، بل لأنها تفضح الوهم الذي بنيناه. نحن لا نتألم لأن الآخر خاننا فقط، بل لأن صورتنا عن العالم انهارت معه. كأننا نكتشف فجأة، ليس فقط أننا لم نكن نعرفه، بل أيضاً وخصوصاً أننا لم نكن نعرف أنفسنا. قد يكون أجمل ما في الثقة أنها مخاطرة. لكن أجمل ما في النضج أن تعرف حدود تلك المخاطرة. ليس المطلوب أن نغلق أبوابنا، بل أن نتوقف عن تسليم مفاتيحها لمن لم يثبت بعد، ولمن لا يثبت كل يوم، أنه يستحقها.

  3. 3d ago

    عروب صبح: العالم ما بعد كأس العالم..

    هو نفسه العالم، كل يوم يقتل الأطفال وتعنف النساء ويستغل العمال.. لم يتغير على عالمنا شيء!! جوع .. مخدرات... تجارة جنس وأعضاء. حتى أنه لم تخرج أي مظاهرة صغيرة تطالب بمحاسبة أحد ممن ظهروا في الوثائق الابستينية !! الجنازة حارة... بقولوا أخواننا المصريين.. “ العروسة للعريس والجري للمتاعيس" والعريس برأيي هو إسبانيا والعروسة هو الكأس الذي حملوه في كيس ملابس بلاستيكي يليق به تماما. أما المتاعيس - برأيي أيضا- فهم كل البشر ممن شاهدوا أو حضروا ما يدعى زوراً وبهتاناً ببطولة كأس العالم !!! بما فيهم أنا، التي لم تمنعها معرفتها المؤكدة بفساد اللعبة والمنظمين من حضور ما مجموعه أربع مباريات للأردن ومصر! ها نحن جميعا نعود لنجلس على الحيطة ونشنف آذاننا بسماع الزيطة التي لم يتغير عليها شيء فعليا. حروب وصراعات لا تنتهي  وبلادنا في خطر محدق. كذبوا عليك حين قالوا وقف اطلاق النار في لبنان وغزة!!! أما سعر البترول فما زال يعلو ويعلو كجرندايزر. بل أنه زاد بعد استئناف الولايات المتحدة لحربها بالوكالة على إيران. من طرائف الزمان أن هناك ثمة عبارة شهيرة للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس يقول فيها: "شهرة كرة القدم علامة على تفشّي الغباء". وأسهب مرة فقال:" إنها أحد أكبر جرائم إنكلترا، فهي تُثير عاطفةً غبية وقومية زائفة". إن أخطر ما يمكن أن يُمارَس على العقل الجمعي هو الإلهاء عن خطورة الحقائق التي نعيشها والوعي بما يحدث حولنا. حين تُغرق المجتمعات في سيلٍ لا ينتهي من المباريات، والدعايات، والمواد الترفيهية، لا يعود للإنسان متّسعٌ لطرح الأسئلة الكبرى، ولا وقتٌ للتفكير في القضايا التي تصنع مصيره أو في التدمير والقتل والمجازر التي تحدث في لبنان وغزة ومدن الضفة!!!! مثلاً شيئًا فشيئًا، تنزلق الأولويات من المعاني العميقة إلى التفاصيل العابرة، ومن الأهداف العظيمة إلى لذّاتٍ مؤقتة وحوارات لا تنتهي عن شخصيات ولاعبين وضعت حولهم الهالات ليستغلوا في استنزاف عقول الناس وجيوبها!  بشورت من هون وبوط من هناك وشيبس وعطر وساعة إلخ إلخ إلخ. بطلة المشهد، هي وسائل الإعلام المحترمة التي تدفع الجماهير نحو المراهنات والمزيد من الاستهلاك الذهني السطحي لأحداث ما يسمى بطولة، وكل ما يتخللها من أحداث مفتعلة واستقطاب، كلّها تشغل الانتباه وتستنزف التركيز.  أثناء الضجيج، يصبح من السهل تمرير ما هو أخطر. ولا عزاء للمغيبين بقرارهم وبكامل وعيهم.

  4. 4d ago

    غادة عبد العال: " الكذب الأبيض والأسماء البيضاء"

    عارف الكذب الأبيض؟ من المفترض إن ده نوع بريء من الكذب لو فيه حاجة فعلا معناها كذب بريء. لكنه على أي حال بيتصور على إنه تغيير بسيط للحقيقة بيتم تحديدا لتفادي مشكلة. من إنك تقول لمراتك: أنا ما شوفتش أحلى منك في حياتي. لإنك تقول لابنك: أي حد بيجتهد بيوصل للي هو عايزه. لإنك تقول لبنتك: إن البنت زي الولد ماهيش كمالة عدد. وانت عارف إن كل هذه الأشياء مش بالضرورة حقيقية. ولكن انت في آخر اليوم بترتاح، وهم بيرتاحوا، وكفى الله المؤمنين القتال. لكن فكرة الكدب الأبيض دي بتتوسع كل شوية في حياتنا وفي المجتمع، وبقت قاعدة من قواعد الحياة، وأصبح السائد إن مافيش حد بيواجه حد بالحقيقة. حتى حقايقنا احنا الشخصية أصبح مطلوب مننا إننا نخبيها. لما نكون في مجتمع محافظ مثلا مطلوب مننا نخفي ليبراليتنا، لما نكون في مجتمع ليبرالي مش ضروري قوي يعني نعلن عن محافظتنا. وفي المجتمعات الأبسط وفي نفس الوقت الأكثر عددا أحيانا بيكون مطلوب إنك حتى تخفي ديانتك عن اللي حواليك. وعلى الرغم من إن الفكرة مجردة تبدو عنيفة أكتر من اللازم لكن هو ده الواقع اللي احنا بنعيش فيه بقالنا سنين، بل ولسه مطلوب مننا نكمل على أساسه.  في الأيام الماضية كان فيه واقعة اتنشرت عن طفل مسيحي اعتقد إنه تم منعه من الالتحاق بفريق رياضي بسبب إن إسمه مكاري، وهو إسم يدل على ديانته بشكل واضح. وعلى الرغم من إن وزير الرياضة طلب تحقيق والواقعة تم التحقيق فيها، إلا إننا فوجئنا بعدد من الشخصيات العامة مسلمة ومسيحية بيلقوا باللوم على الأهالي وبيطالبوهم إنهم يبطلوا يسموا أولادهم أسماء تدل على عقيدتهم. وكإن ده هو الحل، مع العلم إن الأسماء البيضاء، اللي ما بتدلش على الديانة، المجتمع برضه لقالها حل في ظل قانون العنصرية البيضاء، الزئبقية الناعمة. فأصبح من الضروري إنك تسأل كل شخص عن إسمه ثلاثي عشان تشوف هل فيه محمد ومصطفى والا فيه مرقص وميخائيل، وبعدها تبدأ تتعامل معاه من المنطلق ده. تعينه أو تقوله المكان انشغل. تصاحبه والا تشوف صاحب غيره. تاكل معاه والا تقرف منه.  وفي الحقيقة ومع إننا طبعا لازم نحمل الأغلبية المسئولية الأكبر للظاهرة دي، لكني حضرت في جامعتي تعنيف لفظي لصديقة ليا عشان مسيحية، فالمسيحيات كانوا بيستنكروا انها تسيب كل اللي زيها وتيجي تصاحبني أنا وفي نفس الوقت كانوا بيقابلوني ويضحكوا في وشي ويقولولي احنا اخوات. فالموضوع شغال مع اختلاف نسبه من الناحيتين. استمراء الكذب والتحوير، واستمرار الترويج لإن الحل هو التجاهل والكنس تحت السجادة، وتأليف المزيد من الأوبريتات عن عنصري الوطن، والتأكيد على فكرة المسلم اللي مستني الكريسماس والمسيحي اللي مستني رمضان أصبحت مكررة وكليشيهية وسخيفة. فالمواطنة الحقيقية مش إننا نحب بعض في الأغاني والمسلسلات. المواطنة هي إننا ما نستمرئش العنصرية البيضاء، اللي هي زي الكذبة البيضاء، شكلها طبيعي جدًا من بره. الفرق الوحيد إن الكذبة البيضاء بنقولها عشان مانجرحش حد. أما العنصرية البيضاء، فإحنا بنمارسها عشان نتمترس بعيد عن بعض أو نحرم حد من حق من حقوقه من غير ما حد يقدر يمسك علينا حاجة.

  5. 5d ago

    سناء العاجي الحنفي: لسنا ناقصات ثقة… نحن محاصرات بالخوف

    كثيرا ما يُقال لنا نحن النساء: "عليكن أن تتحلين بثقة أكبر بالنفس وبالآخرين". "لا تتركن الواقع يؤثر على ما تفعلنه". "ارفعن أصواتكن". "ارتدين ما ترغبن فيه". "اخرجن وحدكن". "لا تخفن من كلام الناس".  وكأن خوف النساء في مجتمعاتنا عيب شخصي، أو ضعف في الشخصية، أو مشكلة يمكن حلها ببعض العبارات التحفيزية وفيديوهات التنمية الذاتية. لكن كثيرًا من النساء لا تنقصهن الثقة. ما ينقصهن هو الأمان. حين تتردد امرأة في العودة مشيا إلى منزلها ليلًا، فليس لأنها ضعيفة، بل لأنها تعرف أن الشارع قد لا يكون آمنًا لها. وحين تتجنب فتاة نشر صورتها، فليس لأنها غير متصالحة مع نفسها، بل لأنها تعرف أن الصورة قد تتحول، في أي لحظة، إلى مادة للتنمر أو الابتزاز أو المحاكمات الأخلاقية. وحين تصمت امرأة في اجتماع عمل، فربما لا يكون السبب أنها لا تعرف ماذا تقول، بل لأنها اختبرت سابقًا كيف يُنظر إلى المرأة الواثقة باعتبارها متسلطة، وإلى المرأة الصريحة باعتبارها عدوانية، وإلى المرأة التي تدافع عن حقها ورأيها باعتبارها صعبة أو سيئة الطبع. حتى اختيار الملابس، الذي يبدو قرارًا شخصيًا بسيطًا، يتحول عند كثير من النساء إلى عملية حساب يومية: هل هذا اللباس سيجلب تعليقات؟ هل سأشعر بالأمان في الشارع؟ هل سيُستخدم مظهري ضدي إن تعرضت لمضايقة؟ من السهل أن نطلب من النساء أن يكنّ شجاعات، لكن الأصعب أن نبني مجتمعًا لا يعاقبهن على شجاعتهن وحريتهن وأجسادهن ووجودهن في الفضاء العام. المشكلة ليست دائمًا في ثقة المرأة بنفسها. في أغلب الحالات، تكون المشكلة في محيط يراقبها، ويحاكمها، ويحمّلها مسؤولية الأذى الذي قد تتعرض له. لذلك، قبل أن نقول للنساء: "كُنّ قويات"، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا يفعل بهن المجتمع حتى لا يدفعن ثمن هذه القوة؟

  6. Jul 24

    بيبي ذات الجوارب الطويلة.. كيف شكّلت المجتمع السويدي

    لكلّ بلد عاداته، وتقاليده، وتاريخه، وثقافته، ومن أهمّ ما يعكس ثقافة أيّ بلد ويؤثّر في الأجيال المتعاقبة برامج الأطفال. كلّنا نتذكّر ما كنّا نشاهده في طفولتنا، وكيف ترك بصمته على شخصيّاتنا وطريقة تفكيرنا. في السويد هناك مسلسل للأطفال يُعدّ جزءًا مهمًّا من الثقافة السويدية… إنه مسلسل پيپي ذات الجوارب الطويلة. ونرى صورة مؤلّفة هذه الشخصية على الورقة النقدية من فئة 20 كرونة سويدية. إنّها الكاتبة السويدية أستريد ليندغرين، مؤلّفة أشهر كتب الأطفال، ومنها بيبي ذات الجوارب الطويلة. منذ أيّام وأنا أستمتع بمشاهدة بيبي ذات الجوارب الطويلة، وقد منحني شعورًا مختلفًا عن أيّ مسلسل أطفال شاهدته من قبل. كتبت أستريد شخصية بيبي بطريقة مميّزة؛ فلا نرى هنا التركيز المعتاد على تعليم الطفل أن يكون مطيعًا ولطيفًا طوال الوقت، بل العكس تمامًا. بيبي فتاة حرّة، مستقلّة، ولديها قدرات جسدية خارقة. تستطيع أن تهزم الأشرار، سواء كانوا صبيانًا أو رجالًا أقوياء، بل وتطير أحيانًا من فوق الجبل. تعيش وحدها في منزلها مع حصانها وقردها الصغير، وتمتلك الكثير من الذهب الذي تستخدمه لشراء ما تريده.  هي متمردة على السلطة المجتمعية وسلطة الكبار وسلطة التربية التقليدية، مجرّد مشاهدتها يجعلك تشعر بالحرّيّة. وهي أيضًا تتمتّع بحسّ عالٍ بالعدالة؛ تدافع عن المظلوم، وتحسن الظنّ بالناس إلى أن يثبت العكس. تخيّلوا كيف أثّرت هذه الشخصية في الأطفال السويديين. كنت أتمنّى لو أنني شاهدتها وأنا طفلة، فربّما كنت سأصبح أقلّ قلقًا في محاولتي المستمرّة لأن أكون مطيعة طوال الوقت. لم تكن أستريد مجرّد مؤلّفة لقصص الأطفال، بل كانت أيضًا مدافعة عن حقوق الطفل والحيوان. ففي عام 1978 ألقت خطابًا شهيرًا بعنوان «لا للعنف»، دعت فيه إلى تربية الأطفال دون ضرب أو إذلال، وأصبح الخطاب من أكثر النصوص تأثيرًا في السويد. كما ساهمت أفكارها وحملاتها في تشكيل الرأي العامّ الذي أدى إلى أن تصبح السويد أوّل دولة في العالم تحظر العقاب البدنيّ للأطفال داخل الأسرة عام 1979. قصص الأطفال وبرامجهم ليست مجرّد وسيلة للترفيه، بل هي من أهمّ الأدوات التي تشكّل وعي الأجيال، بل ولاوعيهم أيضًا. إنّها تبني ثقافة المجتمع وتغرس فيه المبادئ والأفكار. وأعتقد أنّ شخصيّة بيبي، هذه الطفلة القويّة والشجاعة والحرّة، كانت بذرة لمجتمع يؤمن بحقوق الطفل والمرأة، ولا ينظر إليهما باعتبارهما الأضعف أو الأقلّ شأنًا، بل يراهما على قدم المساواة مع الرجل.

  7. Jul 23

    الوصاية في الرأس

    حين يسقط نظامٌ مثل النظام البعثي السوري، الذي ذقنا منه، نحن اللبنانيين، الأمرين على مر عقود، لا بد من طرح السؤال الآتي: هل انتهى النظام فقط، أم انتهت الوصاية السورية علينا بكل أشكالها؟ كثيرون في لبنان يتعاملون مع التحوّلات السورية الأخيرة كأنها إعلان تلقائي عن نهاية زمن الوصاية. لكن الوصاية ليست دبابة تعبر الحدود، ولا ضابط مخابرات يجلس في عنجر. الوصاية، قبل أي شيء، هي حالة ذهنية. هي استعداد شعب ونخبته السياسية للبحث الدائم عن مركز قرار خارج حدوده، وعن "أخ أكبر" يحلّ خلافاته ويمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان. لهذا السبب، لم تكن المشكلة يومًا في سوريا وحدها. كانت أيضًا في لبنان. في الثقافة المجتمعية والطائفية، وفي طبقته السياسية التي أدمنت الاستقواء بالخارج، مرة بدمشق، ومرة بطهران، ومرة بعواصم أخرى، حتى صار اللبناني يشعر أن مصير بلده يُكتب دائمًا بلغةٍ أجنبية، فيما يكتفي هو بترجمة النتائج. اللافت أن معظم النقاش الدائر اليوم لا يزال أسير السؤال الخطأ: هل ستعود الوصاية السورية؟ بينما السؤال الأهم هو: هل تخلّص لبنان أصلًا من قابلية الخضوع لأي وصاية؟ فالنفوذ الخارجي لا يدخل عادةً من الحدود، بل من الشروخ الداخلية لدولة هشة وضعيفة، ومؤسسات فاشلة، وأحزاب ترى في علاقتها بدول أخرى مصدرًا لشرعيتها أكثر مما تراه في علاقتها باللبنانيين، وبالدولة اللبنانية نفسها.  وهنا تكمن المفارقة. قد يتبدّل النظام في سوريا، وتتغيّر التحالفات في المنطقة، لكن إذا بقيت الذهنية السياسية اللبنانية نفسها، فإن الأسماء فقط هي التي ستتغيّر. سيذهب وصي ويأتي آخر. وستبقى الدولة غائبة، لأن الجميع اعتادوا أن يعيشوا من دونها. الأمر لا يتعلق فقط بالسياسة، بل بعلاقة المجتمع نفسه بالسلطة. لقد نشأت أجيال كاملة على فكرة أن الزعيم أقوى من الدولة، والطائفة أكثر أمانًا من المواطنة، والحليف الخارجي أكثر فاعلية من المؤسسات. هذه ليست مجرد خيارات سياسية، بل ثقافة كاملة أنتجت مواطنًا يثق بالراعي أكثر مما يثق بالقانون. لهذا، فإن أي علاقة جديدة بين لبنان وسوريا يجب ألا تُبنى على العواطف، لا على عقدة الأخوّة ولا على عقدة العداء. الدول لا تتعامل بالحنين ولا بالانتقام، بل بمفهوم الدولة، وبالسيادة الواضحة، والاستقلال الواضح، والمصالح الواضحة والحدود الواضحة والاحترام المتبادل. قد تكون سوريا الجديدة فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين. لكن الفرصة الحقيقية ليست هناك. إنها هنا، في لبنان. لأن السيادة ليست أن ينسحب الآخر من أرضك. السيادة هي أن يتوقف حضوره في رأسك.

  8. Jul 22

    عروب صبح: لماذا ننفذ الأوامر الشريرة؟

    تُعد تجارب ستانلي ميلغرام التي أجراها في جامعة ييل بين عامي 1961 و1963 من أشهر تجارب علم النفس الاجتماعي، التي حاولت الإجابة عن سؤال مهم بعد الحرب العالمية الثانية: كيف يمكن لأشخاص عاديين أن يشاركوا في أفعال قاسية أو ظالمة فقط لأن سلطة ما طلبت منهم ذلك؟ جاءت التجارب بعد محاكمة النازي أدولف آيخمان، الذي دافع عن نفسه بقوله إنه كان "ينفذ الأوامر فقط".  كيف أجريت التجربة؟ كان المتطوع يعتقد أنه يشارك في دراسة عن التعلم والذاكرة. ويُطلب منه أن يؤدي دور "المعلم"، بينما يجلس شخص آخر (وهو ممثل متعاون مع الباحثين) في غرفة مجاورة بدور "المتعلم". كان على "المعلم" أن يوجه سؤالًا، وإذا أخطأ "المتعلم"، يضغط زرًا يعتقد أنه يرسل صدمة كهربائية، مع زيادة شدة الصدمة تدريجيًا بعد كل خطأ. في الحقيقة، لم تكن هناك أي صدمات كهربائية، لكن المتطوع لم يكن يعلم ذلك. وكان يسمع تسجيلات صوتية توحي بأن الشخص الآخر يتألم ويطلب التوقف، ثم يصرخ، ثم يصمت تمامًا. إذا تردد المشارك، كان الباحث يرتدي معطفًا أبيض ويقول عبارات مثل: •    "من فضلك استمر."  •    "التجربة تتطلب منك أن تواصل."  •    "ليس لديك خيار، يجب أن تستمر."   النتيجة؟ صادمة طبعاً لقد استمر نحو 65% من المشاركين حتى أعلى مستوى من الصدمات رغم معرفتهم بأنهم قد يسببون أذى شديدًا أو حتى وفاة الشخص الآخر. أظهرت التجربة أيضا أن الكثير منهم كانوا يشعرون بقلق واضح؛ فقد ظهرت عليهم علامات توتر، وتعرق، وارتجاف، وبعضهم ضحك بعصبية أو حاول التوقف، لكنهم استمروا لأن شخصًا يمثل سلطة علمية طلب منهم ذلك. توصل ميلغرام إلى أن السلطة يمكن أن تدفع أشخاصًا عاديين إلى القيام بأفعال تتعارض مع ضمائرهم، خاصة عندما يشعرون أن المسؤولية تقع على من أصدر الأمر لا عليهم. هل تعني التجربة أن الناس يطيعون دائمًا؟ ليس بالضرورة لأن  التجربة وضحت أن الطاعة تنخفض بشكل كبير إذا: غاب صاحب السلطة، رأى المشارك أشخاصًا آخرين يرفضون تنفيذ الأوامر، شعر بأن المسؤولية ستقع عليه مباشرة.  أو إذا فقدت السلطة شرعيتها أو مصداقيتها.  وهذا يعني أن الطاعة ليست صفة ثابتة، بل تتأثر بالسياق الاجتماعي وضغط السلطة واستفحال الفساد. وهو ما قاله ابن خلدون في أن الظلم إذا أصبح منهجًا في الحكم أفسد أخلاق الرعية والحاكم معًا، لأن العلاقة بين السلطة والمجتمع علاقة متبادلة التأثير، لا اتجاهًا واحدًا فقط. تُستخدم نتائج ميلغرام لفهم سلوك البشر في ظروف الحرب، والأنظمة الاستبدادية، والمؤسسات العسكرية، وأماكن العمل، وحتى في الحياة اليومية.  لكنها و(لحسن الحظ) لا تثبت أن جميع الناس سيطيعون الأوامر الظالمة دائمًا.

About

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

More From مونت كارلو الدولية / MCD

You Might Also Like