مدونة اليوم

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

  1. 2d ago

    هند الإرياني: الانتخابات وسهر الليالي

    لليلتين متتاليتين وأنا أتابع بشغف الانتخابات السويدية أمام التلفاز لساعات متواصلة بدون توقّف. هي ليست فقط عملية جمع أصوات، بل حفلة تُعرض على الهواء مباشرة. نشاهد فيها قاعة الاحتفالات الخاصة بكلّ حزب، حيث توجد شاشة كبيرة تعرض لهم نتائج الانتخابات أوّلًا بأوّل "باستثناء حزب واحد". وبحسب النتيجة نرى ردود فعلهم على الهواء مباشرة، سواء صدمتهم أو فرحتهم. ثمّ في نهاية الحفل يأتي زعماء الأحزاب ويلقون خطاباتهم، كلّ واحد منهم في قاعة حزبه. هذه الأجواء السعيدة يتخلّلها رقص ومقابلات لطيفة، وقد وصفها البعض بأنها شبيهة بأجواء مسابقة الأغنية المعروفة «يوروفيجن». لذلك، بالطبع، كنت أشعر بالسعادة وأنا أشاهدها، بغضّ النظر عن النتائج الأوّلية. وما أبهرني حقًا هو أنّ لا أحد يعرف كيف ستكون النتيجة.  صحيح أنّ هناك استطلاعات تتوقّع النتائج، ولكنّها قد تخطئ. ونظلّ جميعًا نفكّر: يا ترى، هل سيفوز تكتّل اليمين أم تكتّل اليسار؟ هذا بالإضافة إلى أنّنا، حتّى بعد ظهور النتيجة، سنضطرّ إلى الانتظار لنعرف كيف ستتكوّن التحالفات. وهذا عكس تمامًا ما كنت أشاهده في اليمن التي لم أكن أهتمّ أساسًا بانتخاباتها، فنحن نعلم مسبقًا أنّ النتيجة ستكون غالبًا فوق الـ95 في المئة لصالح الشخص نفسه، لثلاثين سنة قادمة. ولم يكن ذلك مستغربًا حتى مجيء الربيع العربي. وعندما حلمنا بالديمقراطية، جاءت لنا لطمة كبيرة، وكانت النتيجة سقوط الدولة وحكم الميليشيات في اليمن، وأصبحت الانتخابات الوهمية مجرّد حلم جميل نتذكّره ونتمنّاه. ولكن علينا ألّا نقارن دولًا لم تعرف الانتخابات إلّا حديثًا بدولة عرفت الانتخابات منذ عام 1866، وتدرّجت فيها العملية الديمقراطية على مدى أكثر من قرن. ففي البداية كانت الانتخابات البرلمانية مشروطة باستيفاء الناخبين شروطًا تتعلّق بالأراضي والثروة. ثم في عام 1909 أُُقرّ مبدأ الاقتراع العامَ للرجال، مع استمرار بعض الشروط، منها دفع الضرائب وأداء الخدمة العسكرية. ثمّ في عام 1911 أُُجريت أوّل انتخابات مع زيادة كبيرة في عدد الرجال الذين يحقّ لهم التصويت، مع تطبيق نظام التمثيل النسبيّ. وفي عام 1919 أُقرّ مبدأ الاقتراع العامّ والمتساوي للنساء والرجال، وبدأ تطبيقه في الانتخابات البلدية. أمّا في 12 سبتمبر 1921، فصوّتت النساء لأول مرّة في انتخابات البرلمان السويديّ. عندما قرأت هذه المعلومات، علمت أنّ المشوار لا يزال طويلًا، وربّما يتخلّص منّا الذكاء الاصطناعيّ قبل أن نشهد هذا اليوم.

  2. 3d ago

    جمانة حداد: ماذا سنفعل بكل هذا الوقت؟

    شاهدتُ أمس على نتفليكس وثائقياً عن الذكاء الاصطناعي يبدأ من خوف بسيط وشخصي جداً. يكتشف المخرج أن زوجته حامل، أي أنه على وشك أن يصبح أباً، فيصير فجأة سؤاله عن مستقبل الـAI  سؤالاً عن العالم الذي سيولد فيه ابنه. هكذا يذهب بحثاً عن إجابات، ويحاور عدداً كبيراً من العلماء والخبراء. بعضهم يقول له إن الذكاء الاصطناعي قد يخرج عن سيطرتنا ويدمر البشرية في غضون عقد من الزمن، فيما يرى آخرون أنه قد يحسّنها على نحو لم نجرؤ حتى الآن على تخيله. لا أعرف أيَّ الفريقين على حق. وأرجّح أنهم، هم أيضاً، لا يعرفون. لكنّ فكرة واحدة من الفيلم بقيت عالقة في رأسي: ماذا لو حقق الذكاء الاصطناعي واحداً من أقدم أحلام البشر، ألا وهو تحريرَنا من ضرورة العمل من أجل البقاء؟ نحن نخاف، طبعاً، أن يأخذ الـAI  وظائفنا. والخوف مشروع تماماً في عالم لا يزال يربط الحق في الطعام والسكن والعلاج بالقدرة على كسب المال. لكن هذه، في جزء كبير منها، مشكلة النظام الاقتصادي الذي نعيش فيه، لا مشكلة الآلة نفسها. فإذا استطاعت الآلات يوماً أن تنتج معظم ما نحتاج إليه، يصبح السؤال الحقيقي: هل سنستخدم ذلك كي نجعل ملايين البشر عاطلين عن العمل وفقراء، أم كي نحرر ملايين البشر من الاضطرار إلى بيع معظم ساعات حياتهم مقابل الحق في أن يعيشوا؟ لطالما حلم الإنسان بالحرية. لكننا بنينا حضارة كاملة حول العمل، إلى درجة أننا صرنا نعرّف أنفسنا به. نلتقي شخصاً للمرة الأولى فنسأله: ماذا تعمل؟ لا ماذا تحب، ماذا تقرأ، ما الذي يثير فضولك، ما الذي يجعلك سعيداً. كأن الوظيفة هي الاختصار الأكثر شرعية للإنسان.  طيّب ماذا لو اختفت هذه الضرورة؟ ماذا سنفعل بكل هذا الوقت؟ سنقرأ طبعاً. سنسافر. سنتعلم لغة أو آلة موسيقية. سنحب أكثر. سننام أكثر. سنمارس الجنس أكثر. أو سنجلس ربما في الشمس ولا نفعل شيئاً على الإطلاق، من دون أن نشعر بالذنب لأننا لم نكن "منتجين". لكني أتساءل ما إذا كنّا سنعرف كيف نحقق ذلك. فنحن نخشى كثيراً أن تصبح الآلات شبيهة بالبشر، بينما الأجدر بنا أن نخشى كم أصبحنا نحن شبيهين بالآلات: لا ندرك قيمتنا حين نتوقف عن "الفعل". لا أعرف إن كان الذكاء الاصطناعي سينقذ البشرية أو سيدمرها. لكن إذا تحقق السيناريو الأكثر تفاؤلاً، وأعاد يوماً إلى الإنسان الساعات التي قضى قروناً يبيعها كي يبقى حيّاً، فسنواجه سؤالاً لم نتدرب عليه بما يكفي: ترى ماذا سنفعل بحياتنا، إذا أصبح لدينا أخيراً وقتٌ لنعيشها؟

  3. 4d ago

    غادة عبد العال: أيدولوجيات زيّ المدرسة!

    زمان كان الزيّ المدرسي محاولة بسيطة عشان كل الطلبة تدخل الفصل شبه بعض. مريلة، قميص، لون موحّد، ممل آه وكئيب بس مثالي لتطبيق فكرة إن ابن الغني وابن الفقير، يقعدوا في ديسك واحد في شكل من أشكال تكافؤ الفرص، و ما يبقاش الفرق بينهم مكتوب على هدومهم. طبعًا الفرق كان بيبان في حاجات تانية، من شكل الشنطة لمحتويات الساندوتش، لكن الزي كان بيحاول يقول: هنا أنت تلميذ قبل ما تكون ابن مين. النهارده الزيّ بقى أحيانًا مشروع مستقل بذاته. مدرسة تختار لون مخصوص، ولوجو محدد، وجاكيت ما ينفعش يتجاب إلا من مكان مخصوص بياخدوا منه عمولة أو بيمتلكه مرات أو أخو صاحب المدرسة. وبعد ما كان زي واحد دلوقتي الأهل يكتشفوا إن ابنهم محتاج طقم صيفي وطقم خريفي و طقم شتوي وطقم رياضة، وكل طقم له سعر يخليك تسأل: هو داخل المدرسة ولا هيشارك في أسبوع الموضة في باريس؟ والحكاية مش تجارة وبس. الزيّ يقدر كمان يقول لنا صورة الطالب المثالي في أذهان أصحاب المدرسة إزاي، واللي هو بيكون معبر عن توجهاتهم الفكرية اللي بيحاولوا يفرضوها على الأجيال القادمة وده بيمثل للبعض أولوية. حتى إننا بدل ما نتكلم عن مستوى التعليم، نفضل نتخانق على وسع الجيبة وطول الشورت. من أيام مثلا منشور على صفحة مدرسة إعدادية في أحد نجوع محافظة قنا، أثار جدل واسع لما ذكر النقاب ضمن الزيّ المفروض على  الطالبات. بعد الجدل البوست اتحذف، والوزارة أحالت المسؤولين عنه للتحقيق. أما الصورة اللي انتشرت لطالبات المدرسة كلهن بالنقاب، فطلعت مصنوعة بالذكاء الاصطناعي. يعني ما ينفعش نبني موقفنا على إنها صورة حقيقية لقرار اتنفّذ بالفعل. لكن المنشور نفسه، والجدل اللي عمله، يستحقوا سؤالًا أكبر: مين من حقه يقرر شكل البنت وهي رايحة تتعلم؟ الرد السهل إن مفيش مدرسة من حقها تفرض نقاب أو حجاب على طالبات. لكن فيه سؤال أصعب ما أخدش حقه بحثا وسط الخناقة: لو بعض الأسر في نجع جوه قرية جوه محافظة في الصعيد مترددة أصلًا في إرسال بناتها للمدرسة، هل ممكن مجاراة مسؤول المدرسة  لتصور أهالي المكان عن ”اللبس المناسب للبنت“ يكون الفارق بين ذهاب البنات للمدرسة بالنقاب و عدم ذهابهم ليها من أصله؟   الاعتراف بالاختلاف الثقافي و الاجتماعي لمكان زي ده مش معناه إننا نقبل فرض النقاب على بنات لم يكلفوا أصلا، ولا إن حق البنت في الاختيار يتحوّل لمساومة مع المجتمع. لكن معناه إننا لو اكتفينا بتوبيخ المدرسة على الإنترنت، واعتبرنا القضية خلصت، نكون سيبنا االبنات المهددات بالتسرب في مواجهة وقع اجتماعي معقد مالوش حل بسيط. إزاي نشجع المجتمع ده للاقتناع بأهمية تعليم البنات من غير ما تدفع البنت تمن التشجيع ده من حريتها؟، هو ده السؤال! ونفس السؤال لازم يتسأل لكل المدارس، خاصة المدرسة اللي بتعتمد شكل واحد محدد للبنات علامة على الأخلاق، والمؤسسة اللي بتتعامل مع الطالب كأنه إعلان متحرك لقيمها وأيدولوجياتها: كلهم بدرجات مختلفة نسيوا إن الزي معمول لخدمة التعليم. مش التعليم هو اللي معمول عشان يطلع لنا صورة جماعية تعجب الإدارة وتعبر عن توجهاتها..

  4. 4d ago

    عروب صبح: هل سمعتم عن الدونية الحضارية؟

    هل حدث ان كنت تقرأ منشوراً فقُرع جرس في رأسك من كلمة او تعبير؟! هل سمعتم عن الدونية الحضارية؟ تذكرت المفهوم قبل ايام عندما قرأته في منشور الزميل باسل رفايعة حين استعمله في وصف حالة لمجموعة معينة من الناس!!! سأحدثكم لماذا استوقفني، ولكن.. تعالوا نبدأ بالمعنى اللغوي لكلمة  الدونية والتي تعني لغةً (كون الشيء دون غيره درجة او منزلة وتدل ايضاً على الخسة والدناءة).  أما المعنى النفسي فهوشعور عميق ومستمر بالقصور وعدم الكفاية وانحطاط القدر مقارنة بالآخرين.    وعليه فالدونية الحضارية حالة ذهنية انهزامية يعيشها الناس (من خلفية عرقية معينة) بشعور عميق بالنقص واحتقار الذات والاستصغار بكل ما يتعلق بها من ارث وتاريخ ولغة امام انبهار واستسلام غير مشروط لكل ما هو أجنبي.  لعلكم تحسون مثلي كيف أصبحت هذه الحالة تؤثر على حياتنا اليومية بشكل ملحوظ للغاية لكنكم تحاولون معرفة ما الشيء الذي أثارني للكتابة عن هذا المفهوم المعقد والذي لا تكفي كلمات مقالة قصيرة للحديث عن فداحة ما وصلنا له اليوم! حسناً  أمر بديهي وقبل كل شيء وأي شيء أنها اللغة!!! لغتنا (العربية) كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من الازدراء والشعور بالاحتقار للغتنا الأصيلة الجميلة؟ ما هذه الظواهر المشوهة الهجينة التي أصبح الناس يتندرون بها الأردن ….. مقابل جوردن مصر …. مقابل ايجبت وآخرها سمعتها من صديقتي العائدة من دمشق  سوريا بمقابل سيريا!!! هذه التسميات الطبقية المقيتة مرتبطة أساسا باللغة وكيف يعبر الناس عن أنفسهم!  فأناس الأردن يتحدثون العربية بلهجاتها الأردنية المنوعة بينما (جوردن بيبول يتحدثون الانجلش بالأمريكان او البريتش آكسنت !!!) وبينهما فئة ضائعة تريد ان تكون هناك، ولكنها لا تتقن إلا فن ادخال الكلمات الاجنبية بركاكة وغلظة في لغتها.   وهو الحال ذاته في الدول الأخرى المذكورة وغير المذكورة بطبيعة الحال!!! من يتابع مواقع التواصل ومن يسموا بالمؤثرين (العرب) يصاب بالخزي والفزع من الضحالة والسخافة واللغة المتهالكة التي تبدوا مسخاً هجينا ويسمونها عربيزي!  الأخطر هم الفنانون والمثقفون المتحذلقون، والمتحدثون في المؤتمرات والاجتماعات (العربية) الذين يتباهون بالتفرنج أو (التأجنب) !!! إن استعمال الكلمات الاجنبية لدلالات او في مكان معين في حديث معين يختلف عمّا نسمعه ونشاهده من إسفاف يعكس دونية نظرتنا للغتنا وتعابيرها والتي تأتي من ذهنية مهزومة تعتقد ان الاخر أفضل وأكثر رقياً وحضارة.  وبطبيعة الحال تترعرع هذه الذهنية بفعل عوامل سياسية داخلية تبدأ من ضعف المؤسسات التعليمية، غياب النقد الذاتي والفساد! إلى عوامل خارجية من ضغوط جيوسياسية و حروب ناعمة وشرسة على حد سواء.  نحن في حالة حرب حقيقية  علينا أن نعي مسؤوليتنا الفردية والجمعية للانتقال من (الدونية) والانهزام الى (وعي الامكانية). أنا أؤمن أننا (نستطيع)

  5. 6d ago

    سناء العاجي الحنفي: آفة حارتنا... المواطنة

    أحيانا، أشعر أن مشكلتنا ليست في غياب القوانين، ولا في نقص الإمكانيات المادية أو التعليم فقط، بل في شيء أبسط وأعمق في نفس الوقت: إنه نقص في الممارسات المتحضرة داخل الفضاء المشترك. شخص يجلس في مقهى، أو في قطار، أو في حافلة، ويشغّل فيديو على هاتفه بصوت مرتفع، وكأن كل من حوله ملزمون بالاستماع معه لفيديوهات الأنترنيت أو لقراءة القرآن أو حتى لرسائله الخاصة. شخص ينهي قهوته داخل السيارة، وبدل أن يحتفظ بالكوب الكرتوني إلى أن يجد سلة مهملات، يفتح النافذة ويرميه في الشارع. آخر يرمي علبة سجائر، أو قارورة ماء، أو منديلا ورقيا على الرصيف، ثم يواصل طريقه بشكل عادي، وكأن الشارع ليس ملكه. لكنه طبعا سيشتكي لاحقا من الشوارع غير النظيفة. أخرى تقضي يومها في البحر أو في حديقة عامة مع صديقاتها أو مع أسرتها وتترك نفاياتها هناك دون أن تشعر بالحاجة لجمعها ووضعها في المكان المخصص للنفايات. سلوكيات أخرى نراها في المراحيض العمومية أو حتى في مراحيض المطاعم والشركات: شخص يستعمل المكان ويتركه في حالة مزرية، دون أن يفكر للحظة أن إنسانا آخر سيستعمله بعده، أو أن عاملة أو عاملَ نظافة سيضطرون إلى تنظيف ما تركه هو من أوساخ. هذه التفاصيل الصغيرة ليست صغيرة في الحقيقة. التحضر لا يُقاس فقط بالبنايات الحديثة، ولا بالسيارات الفخمة، ولا بالمراكز التجارية اللامعة ولا بالماركات العالمية. التحضر يظهر حين نحترم من يشاركنا الفضاء: حين نستعمل سماعات لمتابعة فيديوهاتنا، حين نحمل نفاياتنا معنا، حين نحافظ على نظافة المكان ونتركه كما نحب أن نجده. المشكل أن بعضنا يتصرف خارج بيته وكأن الفضاء العام لا يخصه. وكأن هناك دائما شخصا آخر سيدفع الثمن: عامل نظافة، جار، مسافر، راجل في الشارع. احترام الفضاء المشترك ليس رفاهية، ولا مجرد “ذوق”. هو شكل من أشكال المواطنة. وقد نحتاج، قبل الحديث عن المدن الذكية وعن الديمقراطية، إلى سؤال أبسط: هل تعلمنا فعلا كيف نعيش مع الآخرين؟

  6. Sep 11

    هند الإرياني: الحنين للثمانينيّات

    صور الناس التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن غيّر الذكاء الاصطناعي أشكالهم لتصبح هيئتهم مثل حقبة الثمانينيّات، أثارت فيَّ الحنين لتلك الفترة الذهبية من طفولتي. كانت فعلاً حقبة مميّزة من جميع النواحي، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على الأقلّ بالنسبة لي، وسأشرح لماذا. كنّا كأطفال نجتمع في بيت خالتي، نتفرّج على التلفاز، ونلعب الأتاري، ونأكل بطاطس نعمان. ويا للعجب، كانت هناك جوائز نقدية بداخل كيس بطاطس نعمان؛ تفتحه فيظهر كيس صغير بداخله ريالات. كانت الجوائز النقدية في كلّ شيء: في حليب النيدو، ومسحوق الغسيل، وغيره. كانت المدرسة الحكومية التي كنت أدرس فيها، وغيرها من المدارس، يوجد فيها حصّة للموسيقى. وأتذكّر ابنة خالتي التي كانت هي وإحدى قريباتنا ينظّمن حفل عيد الأمّ والرقصات التي نتدرّب عليها على أنغام: «ما تحسبوش يا بنات إن الجواز راحة». والغريب أننا كنّا نقيم هذه الحفلة في حديقة بيت خالتي. كان هناك سينما، أشهرها سينما تعز، حيث كانت النساء يذهبن إلى هناك لمشاهدة الأفلام الهندية والمصرية. كانت أغلب برامج الأطفال تتحدّث عن الوحدة العربية، نقرأ مجلة ماجد كلّ أسبوع، وما أجمله شعور الأمان. الوضع الاقتصادي للعائلات متوسّطة الدخل كان من أفضل ما يكون. ثمّ ماذا؟ تغيّر كلّ هذا في نهاية الثمانينيّات وبداية التسعينيّات، برجوع المجاهدين من حرب أفغانستان. السينما في تعز أُحرقت، والنساء كان يتمّ حرق جواربهنّ النيلونيّة لكي يلبسن ما هو أطول. ثمّ الوحدة، ثمّ حرب الخليج، ومشاهدة جثث أطفال لأوّل مرّة في قناة إخبارية شهيرة بعد ظهور الدِّش، ثمّ حرب الوحدة، ثمّ نجاح حرب الوحدة ومن نتائجها إعطاء الإسلاميين المزيد من السطوة في المدارس. وكانت النتيجة منع حصص الموسيقى في المدارس الحكومية، وتمّت إضافة موادّ دينية مثل كتاب التوحيد، الذي أثار جدلًا في ذلك الوقت. وهكذا اختفت الريالات من بطاطس نعمان، وظهر الفقر، وكلّ شيء تغيّر. أعتقد الآن أنّكم فهمتم لماذا كنّا نحبّ فترة الثمانينيّات، ولماذا أثارت هذه الصور الحنين. نعم لم يكن هناك هاتف محمول ولا ذكاء اصطناعي، ولكن بالتأكيد حظّنا كان أفضل حالًا من أجيال عاشت طفولتها كلّها في حروب ودمار، وتعاني من جماعات دينية أصبحت هي الحاكم الواحد الأوحد.

  7. Sep 10

    جمانة حداد: شجاعة اليأس

    لطالما أحببت الأمل. أظن أنني ما كنت لأعبر نصف ما عبرته في حياتي، وما كنت لاحتمل النصف الآخر، لولا إيجابيتي وقدرتي على التفاؤل. لكنني تعلّمت، متأخرة ربما، أن حتى الفضائل يمكن أن تصبح خطرة عندما نستخدمها في المكان الخطأ. فنحن دائما نتحدث عن الأمل كما لو أنه خير مطلق. نقول: لا تفقد الأمل. حاولي مرة أخرى. أعطِ فرصة ثانية. اصبري. غداً أفضل. ولكن، ماذا لو لم يكن الغد أفضل؟ ماذا لو كان الأمل، أحياناً، هو بالضبط ما يمنعنا من إنقاذ أنفسنا؟ نبقى في علاقة انتهت منذ زمن لأننا نأمل أن يتغيّر الآخر. ننتظر اعتذاراً من شخص لم يفهم أصلاً أنه جرحنا. نمنح الفرصة الخامسة والسادسة والعاشرة، لا لأن ثمة ما يشير إلى أن شيئاً سيتحسّن، بل لأن الاعتراف بأنه لن يتحسّن أكثر إيلاماً من الانتظار. الأمل يؤجّل الحداد. وهذه ربما أخطر قدراته. ما دمنا نأمل، لسنا مضطرين إلى إعلان موت الشيء. حب، صداقة، حلم، مشروع، حتى صورة كوّنّاها عن شخص ما. نستطيع أن نبقي الجثة معنا قليلاً، وأن نسمي ذلك وفاءً. لكن ليست كل استمرارية شجاعة. أحياناً، الاستمرار هو الخيار الأسهل. لأن الرحيل يتطلب أن نقبل حقيقة لا نحبها: لقد فعلت كل ما أستطيع، ولم يكن كافياً. ليس لأنني لم أحاول بما يكفي، بل لأن بعض الأشياء لا تُنقذ. نحن نخاف هذه الجملة. تربّينا على أن الاستسلام ضعف، وأن المقاتل الحقيقي يبقى حتى النهاية. لكن مَن قال إن كل معركة تستحق أن نخسر أنفسنا فيها؟ ثمة فرق بين أن نستسلم لأن الطريق صعب، وأن نتوقف لأن الطريق لا يؤدي إلى أي مكان. النضج، ربما، هو أن نتعلم الفرق. أنا لا أريد أن أفقد قدرتي على الأمل. أريد فقط أن أعرف متى أضعها جانباً. متى أتوقف عن مطالبة المستقبل بإصلاح شيء حسمه الحاضر. متى أفهم أن بعض الأبواب لا تحتاج إلى مزيد من الطرق، بل إلى يد تجرؤ على ترك المقبض. أحياناً، الشجاعة هي أن تنظر إلى ما أحببت، وإلى ما تمنيت، وإلى كل ما كان يمكن أن يكون، وتقول بهدوء: لن يكون. ثم تمشي.

  8. Sep 9

    عروب صبح: خواطر أواخر الصيف... أيلول 2026

    أحب البشر الذين يحبون الأشجار  ويأسروني أولئك الذين يزرعون ويعتنون بالأزهار … كم أحب البشر الذين يملكون قلوباً وليس مضخات صدئة!   الذين يتحلون بمكارم الاخلاق بشكل طبيعي بسيط، غير مبهرج ولا أداء مسرحي مبالغ فيه لإبهار الجمهور.. الناس الذين لديهم طيبة حقيقية تلامس قلوب قطط الشوارع وكلاب الأزقة والعصافير المهاجرة والأطفال الذين اغلقوا الشارع ليلعبوا كرة القدم.. أحب البشر الذين يعرفون ذواتهم ولديهم الوعي بحسناتهم وبإخطائهم والقدرة على التعامل معها والرغبة في تحسين أنفسهم ليس فقط لأنفسهم، بل لأولئك الذين ارتبطت حيواتهم بهم  عائلة، اصدقاء، زملاء، جيران  أم وأب يحبانهم بلا شروط امرأة او رجل قبلوا شراكة العمر  صغار لا يكفون عن الشقاوة والاسئلة أو مراهقين يعتقدون أنهم فهموا سر الحياة.. هناك مكان خاص بقلبي لأولئك الذين قست عليهم الحياة، لكنهم رفضوا أن يُحمّلوا أحبّتهم ثمن ما عانوه؛ فغمروا من حولهم بلطف القول، ولين المعاملة، وحُسن العِشرة… كم أحب واحترم البشر الذين يمارسون الأدب قولاً وفعلاً يومياً، يأسرني تواضعهم وصدقهم ونزاهتهم.. يا لجمال الأوفياء.. الذين يبقون بالرغم من كل شيء واي شيء .. يحفظون سرك ويصونون العشرة، يقدرون تاريخك معهم، يحبون ذكرياتكم، يثقون بك حتى ان ساورك الشك بنفسك ويقفون أوتاداً عندما تهب الريح..  كم يسعدني ان اكون بقرب البشر الذين يمارسون الدهشة كل يوم ويحولون شكل الغيوم إلى قصة خرافية.. بينما قد تجعلهم نَسمة يوم صيفي تحمل رائحة الياسمين.. ينظمون قصيدة!! أحب كل الذين يقدرون النعم الصغيرة، الذين يقدرون الجمال في جناح فراشة وفي لوحة ليست لبيكاسو وفي تفصيل صغير طرزته خالة او عمة على ثوب هدية لمولود جديد… أما الأحب والأكثر تقديرا فهم كريمي النفس، الصادقين، الشجعان.. أحب كل الذين لم اعرفهم وسمعت عنهم وكانوا كأثر الفراشة في ان يستمر الخير والجمال في هذا العالم…  قد يمتلك الناس بعض الصفات السابقة، ولكننا     لا نعكسها بنفس القوة مع الآخرين والحياة … نختار نحن ويختار القدر احيانا  أنا ممتنة لكل من مر بي في هذه الحياة وعلمني ان هناك خير وبث شعاعاً من أمل ومحبة في قلبي.  السؤال الذي أسأله لنفسي ولكم  هل نحن من نحب؟

About

موضوعات اجتماعية - سياسية يناقشها صحفيون وكتاب ومدونون من وجهة نظر اجتماعية حديثة واضعين تحت منظار النقد الخطابات التقليدية وباحثين خصوصاً عن تفعيل الدور النسوي للمرأة في قضايا مجتمعها.

More From مونت كارلو الدولية / MCD

You Might Also Like